ميزانية إسرائيل: حرب وعنصرية

تم نشره في الأربعاء 24 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

أقر الكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، في الأسبوع الماضي، وبالقراءة الأولى مشروع ميزانية إسرائيل للعام القادم 2008، والتي من المنتظر إقرارها نهائيا قبل نهاية العام الحالي، ويبلغ حجم الميزانية 76 بليون دولار، وهي الميزانية الأكبر حتى الآن.

ولا تختلف هذه الميزانية عن سابقاتها طيلة السنوات الماضية، لا بل إنها تعمق الأسس السياسية القائمة عليها، وهي الحرب والاحتلال، وسياسة التمييز العنصري ضد فلسطينيي 48، إضافة إلى تصفية القطاع العام، وبالأساس تصفية ما تبقى من "دولة الرفاه" التي طالما كانت إسرائيل تتبجح بها.

وتبلغ الميزانية المباشرة لوزارة الحرب (الأمن حسب الترجمة العربية للوزارة) 13 بليون دولار، وهي تشكل أكثر من 17% من الميزانية العامة، ولكن حسب دراسات سابقة، فإن ميزانية الحرب والاحتلال والاستيطان تقتطع من ميزانية إسرائيل لا أقل من 30%، وهذا بعد إضافة ميزانية وزارة الأمن الداخلي، التي تصرف أيضا على قوات ما يسمى بـ "حرس الحدود"، وهذه القوات التي تنشط بالأساس في المناطق المحتلة منذ العام 1967، وتبلغ ميزانيتها حوالي 2,4 بليون دولار.

كذلك هناك ميزانيات أجهزة الاستخبارات، أي جهاز الاستخبارات الداخلية العامة "الشاباك"، والاستخبارات الخارجية، الموساد، إضافة إلى ميزانية المشاريع النووية الإسرائيلية، وكلها ميزانيات سرية، ليس بالإمكان حتى لقسم من الوزراء الإطلاع عليها، ناهيك عن أن فقط خمسة أعضاء كنيست يمكنهم ان يطلعوا عليها.

ولكن ليس هذا وحده، ففي كل واحدة من ميزانيات الوزارات المختلفة هناك حصة "للأمن"، وصرف خاص على المستوطنات في الضفة الغربية وهضبة الجولان السورية المحتلة، حيث يحظى المستوطنون بامتيازات مالية من الصعب حصرها، لتشجيعهم على الاستيطان وتكثيفه.

وتبرز في ميزانية وزارة الحرب بنود تتعلق بما يسمى "إعادة تأهيل الجيش" بعد الحرب على لبنان في صيف العام الماضي، من تزود مكثف بالأسلحة، ودفق ميزانيات لمشاريع تطوير أسلحة تكنولوجية، وزيادة التدريبات، فكل الحديث في إسرائيل عن استخلاص النتائج من الحرب على لبنان ليس له علاقة إطلاقا بالجانب السياسي، لا بل ان هناك إجماعا صهيونيا شبه مطلق حول المبدأ القائل: "بالقوة نحل القضايا كافة"، وهو المبدأ التي يُسيّر سياسات إسرائيل على مدى عشرات السنين.

وهناك وجه قبيح آخر لميزانية إسرائيل، هو وجه يلازم إسرائيل منذ اليوم الأول لإقامتها، وهو سياسة التمييز العنصري ضد فلسطينيي 48، فهذه السياسة تنعكس في كافة بنود توزيع الموارد المدنيّة في الميزانية، التي تتعامل بمقياسين، واحد لليهود وآخر للعرب، وهذا عدا عن أن الميزانيات الموزعة على اليهود أنفسهم فيها تفضيل لجمهور على جمهور آخر، مثل المستوطنين في الضفة الغربية وهضبة الجولان السورية.

وهذه السياسة تنعكس على المستوى المعيشي وظروف الحياة العامة لدى فلسطينيي 48، الذين يعانون من نسبة بطالة تصل بالمعدل إلى أكثر من 16%، بينما بين اليهود تتراوح ما بين 5% إلى 6%، ليكون معدل البطالة العام في إسرائيل في حدود 7,7%.

وهذا ليس محض صدفة، فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بما فيها الحالية تحرم، البلدات العربية من ميزانيات التطوير، وإن حصلت عليها، فإنها تكون شحيحة، وتتراوح ما بين 25% إلى 35% من الميزانية التي يستحقها الفرد العربي بالمعدل، لتكون متساوية مع الميزانية التي تصرف على الفرد اليهودي بالمعدل.

كذلك فإن جميع البلدات العربية في مناطق 1948 محرومة كليا من مناطق صناعية، وقد بلغت السياسة العنصرية إلى درجة مصادرة الأراضي العربية من مناطق نفوذ البلدات العربية، لإقامة مناطق صناعية عليها، ولكن تكون تابعة لمدينة يهودية لا تتصل جغرافيا بهذه المنطقة، لتستفيد تلك المدينة اليهودية من الضرائب البلدية، وهي ضرائب ضخمة سنويا، تساهم في تطوير البنى التحتية والعامة العامة في المدن والبلدات.

وقد يكون من الصعب استيعاب هذا بالمنطق، ولكن هذا نموذج حي لآلاف نماذج العنصرية الإسرائيلية الصهيونية.

ونعطي نموذجا آخر، يظهر أيضا من خلال ميزانيات إسرائيل المتعاقبة بما فيها الميزانية الجديدة، وهو الصرف الحكومي على كل طالب مدرسي في جهاز التعليم، وحسب معطيات 2005 (ولم تتغير بشكل جوهري إطلاقا)، فإن إسرائيل تصرف على كل طالب مدرسي مستوطن حوالي 2050 دولارا، بينما تصرف على الطالب اليهودي داخل إسرائيل 1040 دولارا، أما حصة الطالب من فلسطينيي 48 فهي بالكاد تتعدى 250 دولارا.

وهذا وغيره يساهم بشكل خاص في وضعية المستوى المعيشي الاقتصادي الاجتماعي لفلسطينيي 48، وخاصة في نسب الفقر، فقد دلت المعطيات الصادرة عن مؤسسة الضمان الاجتماعي الإسرائيلية الرسمية، أن نسب الفقر بين فلسطينيي 48 تساوي ثلاثة أضعاف نسبتها بين اليهود، فبينما تقل نسبة الفقر بين العائلات اليهودية عن 20%، إلا أنها بين العائلات العربية تصل إلى 47% وأكثر.

والمأساوية في هذه المعطيات تتضح أكثر بين الأطفال، ففي حين أن نسبة الفقر بين الأطفال اليهود في حدود 20%، فإنها بين أطفال فلسطينيي 48 تصل إلى 63% وفق معطيات العام 2006، ولا يبدو أي تراجع لهذه المعطيات في العام الحالي 2007.

ولتكون الأمور واضحة، فإن ميزانية إسرائيل مبنية بالأساس على جباية الضرائب، التي تشكل 64% من حجم الميزانية، إذ تشير تقديرات وزارة المالية إلى أن مداخيل الخزينة من الضرائب في العام القادم 2008، ستبلغ حوالي 49 بليون دولار، من أصل 76 بليون الحجم الإجمالي للميزانية.

ويدفع فلسطينيو 48 الضرائب كغيرهم، لا بل انهم محرمون بشكل عام من الامتيازات والتسهيلات الضريبية التي تحظى بها نسبة عالية من اليهود، مثل سكان المناطق ذات "الأفضلية القومية"، والمستوطنات، وبلدات التطوير، وهي بلدات يهودية مستواها الاقتصادي الاجتماعي متدنٍ مقارنة بالمستوى العام لدى البلدات اليهودية، وغيرها، بمعنى أن فلسطينيي 48 متساوون وأكثر بدفع الضرائب، ولكنهم محرمون من توزيع متساو في الميزانيات.

ومن أجل استمرار هذه السياسية وتثبيتها أكثر، فإن الكنيست الإسرائيلي لا يكف عن سن قوانين عنصرية، في جوهرها حرمان فلسطينيي 48 من ممارسة حياة طبيعية في وطنهم، الذين لا وطن لهم سواه.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق