إبراهيم غرايبة

المساجد والمدينة

تم نشره في السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

كيف تكون المساجد جزءا أساسيا من المدينة ينسجم مع فكرتها وأهدافها؟ كيف تكون معلما حضاريا يمنح المدن والمجتمعات هويتها ووعيها بذاتها؟ كيف تكون إقامتك بجوار المسجد ميزة إضافية تمنحك جمالا وفضاءً جديداً مختلفا بل وتعطي للعقار المجاور قيمة أضافية تزيد من ثمنه ولا تكون سببا في انصراف الناس عنه؟ كيف تكون المساجد مصدرا للذكريات والحنين الذي يشدنا إلى الأوطان عندما نسافر؟ يقول لي صديق مسيحي عندما أسافر أفتقد الأذان وعندما أعود إلى الوطن انتظر الأذان بحنين يشعرني أني عدت إلى أهلي وبلدي، كيف نجعل من الأذان مصدرا للجمال والدفء والانتماء؟

نحتاج كمجتمعات وأفراد أن ندرك أن المدينة ليست بالضرورة صاخبة أو مزدحمة أو متوحشة، وهذه الفكرة العدائية السائدة لدينا عن المدن مردها على الأغلب إلى خلفيات وثقافات ريفية لا نريد التخلي عنها، ونظن أنها الصواب وتعبر عن الأصالة وربما الدين، ولكن الدين يقوم على المدينة، ولذلك سمي أول مجتمع للمسلمين بالمدينة، فالدين مدني أساسا، والرسالات لا تكون إلا في المدن والمراكز الحضرية، وكذا التعليم والثقافة والمهن والتجارة والمصالح والأعمال، وربما من الطريف أن نذكر هنا بقصة الأذان في المدينة، وكيف كان رؤيا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبها علمها لبلال فإنه أندى منك صوتا، فالأذان ابتداء نداء جميل يضيف إلى حياة الساكنين (هل من علاقة بين السكون والسكن والسكان؟) شيئا جميلا، ولا أهمية واضحة له إذا كان في الصحراء، لأنه موجه إلى الناس المقيمين بجوار المسجد وحوله يدعوهم إلى الصلاة.

نحن نبحث في الصلاة عن "السكون" قال تعالى: "وصلِّ عليهم، إن صلاتك سكن لهم ورحمة"، والصلاة في الأصل قائمة على الدعاء والمناجاة، أي أنها انكفاء عميق نحو الذات قائم على الاستماع والسكون الذي يسمح بإدراك ما يريده الإنسان وما يريد أن يكون عليه وكيف يكون ما يريد، ففي الدعاء والمناجاة يتشكل لدى الإنسان وعي بما يريد، كيف نحصل على السكون؟ كيف نجعل حياتنا بكل مكوناتها من العبادة والعمل والممارسات جميعها مصدرا للسكون، ومن ثم الرضا؟ لأن الحضارة كلها قائمة على منح الناس الرضا والكفاية.

الحياة والعلم والحكمة والعمل والتقدم والتواصل تقوم على الاستماع، هكذا ببساطة لنتأمل كل مكونات حياتنا وأعمالنا، هي تقوم على الاستماع، ومن ثم فإن الاستماع قيمة عليا ومكون أساسي يجب أن يحكم التخطيط للمدن والأحياء والمؤسسات والحياة بعامة، كيف تساعدنا بيوتنا ومؤسساتنا على الاستماع؟ هل هي مصادفة أم مسألة عادية لا تحتاج لتوقف أن ضعف السمع في الأردن يشكل ظاهرة غير عادية وأن معدلاته تساوي أضعاف معدلاته في العالم؟ لنتخيل حياتنا وأعمالنا بلا قدرة على الاستماع، "إنهم عن السمع لمعزولون" "ما كانوا يستطيعون سمعا".

وعودة إلى المدينة وسكونها، فالمدن الهادئة أو الأجزاء الهادئة منها ليست امرا نادرا، بل هي نظام حياة وعمل سائد في التاريخ والجغرافيا، والاستثناء الذي نشكله نحن في مدننا وأحيائنا لا يجعل ذلك هو الأصل، ولا حقيقة واقعة يجب أن نتقبلها.

لقد أظهر الجدل حول ميكروفونات المساجد ودورها وأهميتها ومشكلاتها أننا مقدمون وأخشى أن يكون قد فات الأوان على حالة من ضعف الاستماع، وأننا نفقد من مهاراتنا في الحوار والاستماع، وأن الضجة والفوضى في المدن والحياة اليومية يمكن أن تتحول إلى فوضى في التفكير والمنطق، وأن المجتمعات مهددة بالحالة التي وصفها القرآن الكريم "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون" وقد لاحظت قبل أيام أن ابني الصغير الذي ييلغ من العمر أربع سنوات يستخدم كلمة نقاش بمعنى الخصام، ومن المعلوم أن الأطفال ينشئون لغات ومفاهيم ومصطلحات جديدة في اللغة تتحول مع الزمن إلى قاعدة سائدة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نفس المشكلة (محارب)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    يبدو تعليق "عنان" تعبيرا مثاليلا للمشكلة التي يعاني فئة من المجتمع فهو لم يستمع وراح يكتب بطريقته، ومن الواضح أنه يتهجم فقط، جميل غرايبة نتمنى المزيد ولك التوفيق.
  • »الاذان (سامي عوده)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    يا أستاذ إبراهيم لاحظت انا في المرة الماضية حول نقاشك عن سماعات المساجد بانك تدور حول حمى التحكم بها و بطريقة معينة وضع قالب قانوني تحت مسمى جماليات الصوت ، انا معك في نقطة ان بعض الجماعات الضالة لا تعترف بأذان الوزارة لأسباب عقدية و إن شاء الدولة ستعالج مثل هذه الجماعات و لكن الذي أراه ليس فقط هذا الأمر في مقالتك و لكن أرى انك تحوم حول كلام البعض من أن البعض " الأولاد الصغار " يهتز عند سماع الأذان و أن هناك مرضى و النصارى و غيرهم و أقول لك بالنسبة للنصارى أنهم يعيشون بين المسلمين و بعهد من جلالة الملك بالأمان لهم وبالنسبة للمسلمين فأرى أن الأذان تذكير لهم بالصلاة التي تركوها ففي الأذان و ما قبل الأذان من دروس هو تاديب لهم بعمل ما نسوه و تأدية ما تركوه ، فرجاءا بنصيحة صغيرة اترك التلاعب الكلمات و انظر في أمر فعلا يهم الناس في دنياهم كنحو الضرائب و الفساد و الحوادث وووو.. إلخ البلد مليئة مشاكل وتحتاج لكل قلم يدعم الموطن المسكين عند المسؤول النائم على أذنه و لا يوقظه إلا أن يسمع كلمة " لا إله إلا الله محمد رسول الله " . السلام ختام
  • »موضوع مهم جدا (عربي)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    السلام، اولا لا اريد ان اعلق على كلام السيد عنان لانه تهجم بدون حجه. اما المهم الذي اريد ان اقوله وهو فعلا ان الاستماع عند الشعب الأردني والعرب شبه مغيب وهذه مصيبة وحاجز حقيقي امام الحضارة والتقدم وصنع القوة التي تحفظ ارضنا وكرامتنا لا شك في ان حكمة الإسلام بجعل الآذان نداء التامل والسكون(الصلاة) حكمة عظيمة ولكننا لا نعقل، لأننا لا نزال ننظر الى العالم من وجهة نظر واحدة ولا معرفة لدينا بكيفية التعامل مع الآخر مع ان الإسلام هو دين الانفتاح والتعامل مع كل ما هو غريب ذلك ان القرآن هو الشمولية الكاملة، فأن نكون بهذا التخلف(دولة من العالم الثالث) وقد اهدانا الله الى القرآن فمرده الى عدم القراءة وعدم الاستماع والصحيح هو عدم القدرة على ذلك. برأيي السبب في التربية وتقاليد متخلفة لا علاقة لها بالإسلام تبعدنا عن فكرة الاستماع والرأي المختلف. العلاج بلا شك يقع في اثنتين ( القراءة والاستماع)، إن أول ثلاث كلمات انزلت على النبي الأمي هي إقرأ إقرأ ٌإقرأ، أقرأ كل شئ يقع عليه نظرك بنقد وتحليل فيفتح عقلك فتفقه وتتحول الى مستمع باستيعاب معظم الحياة، والنتيجة هي عظيمة على الفرد وانجازات تفوق خيالنا حاليا. شكرا على هذه المقالة البالغة في الأهمية فهي في صميم مشاكلنا وأعظم حاجز أمام كسرنا لتخلفنا.
  • »سلاما (jamal rushdi)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    ما هذا الكلام يا سيد عنان، عيب هذا الحكي، الملاحظات والأفكار للحوار والملاحظة، ليس لتتفضل باجاباتك وتعليقاتك غير المهذبة انت تعاني من أزمة حادة وتنطبق عليك فكرة المقالة بانك تنادي من وراء الحجرات
  • »عنان وصعوبات التعلم (رؤى حاتم)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    من الواضح أن السيد/ السيدة عنان يعاني/ تعاني من صعوبات في التعلم وضعف شديد في الاستماع، وبحاجة إلى معالجة سلوكية طويلة وتأهيل نفسي دؤوب
  • »وجع اسمه ابراهيم، مرة اخرى! (د. نصير عبد الحق)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    خير الكلام ما قل و دل، لذا:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    "وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ"
    صدق الله العظيم
  • »مرحلة وعي متقدمة (عاطف الفراية)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    أخي الأكبر
    الوعي بالأمور المتعلقة بالدين والحساسية المفرطة تجاهه مسألة تربوية ذات علاقة بالمجتمع ونظرته ..
    لقد أحزنني الجدل الذي دار على هامش مقالكم السابق حول سماعات المساجد.. وكأنني بالبعض يجهز دفاعاته على مدار الساعة ليشكك بنوايا أي صوت يقترب من تقويم أية مسألة ذات علاقة ولو بعيدة بممارسة دينية.. مقالكم مليء وعميق.. ومقالكم السابق يقول ما يدور في خواطر الكثيرين..
  • »يثرب وليس المدينه (عنان)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    لقدحاولت أن أربط كثيرا بين عنوان المقال وما تضمنه من أفكار متباعده تماما ليس لها علاقة ببعضها مع إحترامي الشديد للكاتب.
    إجابة على سؤال الكاتب (كيف نجعل من الأذان مصدرا للجمال والدفء والانتماء؟)
    يمكننا ذلك فقط اذا كنا دائما ننتظر سماع ذلك الصوت الشجي ونتوق له ونردد كلماته مهما كان الشخص الذي يؤديه ، فلا يمكن لكل مؤذن إن يكون مثل بلال بن رباح رضي الله عنه (المهم هو كلمات الأذان وليس المؤذن)
    كما أن أول مجتمع للمسلمين كان إسمه يثرب وبقي كذلك حتى عصر الخليفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    أما بخصوص إبن الكاتب الذي يبلغ 4 سنوات فقط ويستخدم كلمة نقاش بمعنى خصام فلا أظن أن هذا الطفل إستقى أفكاره من المجتمع المحيط فهو لم يكد يبلغ سن المدرسه وما يحمله في ذهنه من أفكار ما هو إلا نتاج محيطه الأسري كونه ما زال في سن الرابعه.