"التنازلات" الفلسطينية

تم نشره في السبت 13 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

تكاثرت في الأيام الأخيرة الأحاديث عما يسمى بـ"التنازلات"الفلسطينية في المفاوضات الجارية مع الجانب الإسرائيلي،مع اقتراب موعد اللقاء الدولي المفترض انعقاده في نهاية الشهر القادم في الولايات المتحدة.

وإذا ما استغربنا من دعوة بعض الأقلام،في وسائل الإعلام العربية، القيادة الفلسطينية للتعامل"بحنكة وليونة"، وتحذرها من عدم تقديم "تنازلات للجانب الإسرائيلي"،فإن الاستغراب الأكبر حين تسمع أصواتا وتقرأ مقالات تتهم الجانب الفلسطيني بأنه قدم تنازلات،وتتعامل مع هذا الادعاء كحقيقة واقعة ثم تشرع بنشر استنتاجاتها،التي في صلبها التخوين والتشكيك.

هذه المعالجة ليست لائحة دفاع عن أية جهة كانت،ولكنها تحذر من إغراق الشارع الفلسطيني في بلبلة سياسية إضافية،في مرحلة دقيقة وصعبة تمر بها القضية الفلسطينية،في ظل اختلال تام لموازين القوى في العالم،لا يخدم القضية الفلسطينية، لا بل يتعامل معها بشكل عدائي، أو من منظور وكأنها مجرد "قضية إنسانية"، في أفضل الأحوال، وقضية"إرهاب"، على الأغلب، وليست قضية تحرر وطني، وحق بدولة وسيادة وانهاء جريمة حرب مستمرة منذ60 عاما.

إن الحقيقة الواضحة، هي أن كل مفاوض فلسطيني يعرف تماما أنه حتى إذا تجرأ على "تقديم تنازلات"، فإن الشعب الفلسطيني سيرفضها وسيبقى اتفاقه حبرا على ورق،لأنه لم يعد للفلسطيني ما يتنازل عنه.

إن مشاهد التخوين والتشكيك تتكرر كثيرا في السنوات الأخيرة، والأصح منذ انطلاق العملية التفاوضية العربية الإسرائيلية،وبالذات الفلسطينية الإسرائيلية، فإذا هناك من ذاكرته ضعيفة،أو يريدها كذلك، أو إذا هناك من يسعى إلى تغييب تجارب الماضي، فإننا نذكره بالماضي القريب جدا.

فكم مرة تم زج القيادة الفلسطينية في مرحلة الرئيس الراحل ياسر عرفات، في زاوية الخيانة،وبشكل خاص حينما توجه إلى مفاوضات كامب ديفيد في صيف العام2000، يا حبذا لو أن بعض قنوات التلفزة تعيد لنا بعضا من ندواتها السابقة، لنرى نفس الوجوه التي تخوّن وتشكك اليوم،هي ذاتها التي تعاملت مع "بيع فلسطين" على يد عرفات كتحصيل حاصل، وهي نفس الوجوه التي سارعت يوم رحيل عرفات لتزفه لنا شهيدا: اغتاله الاحتلال لأنه لم يرضخ في كامب ديفيد، ورفض أن يبيع ما تبقى من وطن.أليس في ذلك استغباء لعقول الناس.

ومما يزيد بؤس الحالة السياسية الفلسطينية،لغة المزايدة الفارغة من أي مضمون واقعي ملموس،والأنكى من هذا هو الخطاب المزدوج والرقص في أكثر من عرسين في آن واحد،وتلوين خطاب نفس الجهة، بحسب موقعها الجغرافي الآني، مما يزيد من حالة البلبلة السياسية، وهذا أيضا ليس محض صدفة، فقد ولى عالم الصدفة منذ زمن بعيد.

من حقنا توجيه الاتهام لسعاة البلبلة،لأن هذا نهج مستمر منذ فترة طويلة، مما يجعله نهجا مقصودا ويسعى إلى خربطة الأوراق، مع معرفة مسبقة أنه حين يقع شعب، كشعبنا الفلسطيني، في حالة من البلبلة السياسية الخطيرة، فإن جاهزيته للنضال ستتراجع،وهذا ما يحصل على أرض الواقع.

حين يتم خلط النضال الوطني التحرري المشروع بممارسات عصابات إرهابية خارجية،فإن هذا يشوه صورة هذا النضال أمام الرأي العام العالمي،وإذا قلنا إن هذا ما سعت إليه إسرائيل والحركة الصهيونية،ومن خلفهما الإدارة الأميركية، فإن هناك أذرع إعلامية "من ذوي القربى" تساهم في هذا الخلط، من باب تشجيع خطابات التطرف الفارغة والتقلب في المواقف بشكل مذهل،إلى حد خلق فوضى عارمة في الرؤية السياسية الواضحة، تحت أغطية مزيفة، مثل"الانفتاح الإعلامي"، أو "الجرأة" المزعومة، وما شابه.

لقد تلقى نضال التحرر الوطني الفلسطيني في السنوات الأخيرة ضربات جدية،أفقدته الكثير من الأوراق الرابحة في ساحة الرأي العام العالمي، وهذا بفعل تدخل أجندات غريبة عن أجندة المشروع الوطني الفلسطيني، لا تخدم القضية الأساس...قضية التحرر،وأيضا بفعل مغامرات لم تأخذ بالحسبان ضرورة استخدام الأساليب الناجعة في النضال،التي تساهم في الدفع نحو الهدف،ولا تشده للخلف،وهناك مغامرات لم يكن هدفها سوى كسب أوراق هشة على الساحة الداخلية الفلسطينية،حتى ولو كانت على حساب المسيرة النضالية.

لقد أصبحت الدعوة لقراءة الواقع بكل حذافيره،متهمة بالتخاذل والرضوخ للأمر الواقع،وهي اتهامات باطلة زائفة،كل هدفها إبعاد الجمهور الواسع عن رؤية الحقيقة،فلا يجوز للنضال الفلسطيني التحرري أن يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافه الوطنية من دون قراءة الواقع، من أجل وضع آلية النضال المناسبة للمرحلة والكفيلة بتحقيق الهدف.

إن من يعتقد ان الشارع الفلسطيني يشهد حالة نضال شعبي زخم،فمن الأفضل له أن يعيد حساباته ويقرأ مجريات الأمور من جديد،وإذا ما اتفقنا على حالة التراجع هذه، فعلينا معرفة الأسباب.

فلربما ان التهمة الأسهل هي تلك التي نوجهها للقيادة الفلسطينية الحالية، ولكن الحقيقة هي أن هذا التراجع هو نتاج عدة عوامل،ساهمت أطراف فلسطينية بزرعها في الشارع الفلسطيني،والخروج من هذا المأزق يحتاج إلى جهود وإعادة ترتيب أوراق،وأن يسترد للجمهور الفلسطيني الواسع زمام المبادرة ليقود النضال الشعبي العام.

لقد صدق من وضع معادلة:"إن النضال التحرري من دون رؤية تفاوضية هو نضال عبثي،وكذلك الأمر فإن أية عملية تفاوضية من دون نضال جماهيري شعبي زخم، هي مفاوضات ضعيفة".

إن القيادة الفلسطينية ليست في وضعية تسمح لها رفض المفاوضات، أو رفض المشاركة في اللقاء الدولي، فالحكم عليها ليس بمجرد مشاركتها، بل بما تطرحه في تلك المفاوضات.

إن الطاقم الفلسطيني المفاوض بحاجة إلى دعم شعبي يعزز مكانته ليس فقط أمام المفاوض الإسرائيلي وإنما أيضا أمام الأسرة الدولية،وهذا الهجوم المنفلت وغير المبرر على طاقم المفاوضات الفلسطيني، يضعفه، وهذا ربح صاف للدعاية الصهيونية،لتبرير استمرار تهربها من مستحقات الحل،والتي في مركزها مزاعم"عدم وجود شريك فلسطيني للسلام".

لا نعيش في أحلام وردية،ونعرف أن إسرائيل اليوم ليست معنية بالتقدم الحقيقي نحو الحل،واللقاء الدولي سيكون مجرد حدث بروتوكولي، يضاف إلى أرشيف اللقاءات الشبيهة.

ولكن في نفس الوقت يجب ان نعرف ان إسرائيل الحالية كما في فترات سابقة ضعيفة جدا أمام وحدة حقيقية للشعب الفلسطينية،وهناك حاجة للتذكير مجددا بأن التجربة قد أثبتت بشكل قاطع أن إسرائيل أضعف ما تكون أمام النضال الشعبي الفلسطيني العام، كما كان في انتفاضة الحجارة التي انطلقت في نهاية العام 1987 واستمرت خمس سنوات، وقلبت موازين القوى داخل الشارع الإسرائيلي نفسه،وكانت إسرائيل الدولة المحاصرة عالميا،وتوجهت مرغمة إلى عملية سياسية طالما رفضتها. 

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق