إبراهيم غرايبة

لماذا لم تتشكل حياة سياسية؟

تم نشره في الخميس 11 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 02:00 صباحاً

لماذا لم تؤد الانتخابات النيابية والبلدية المتتالية والحريات والديمقراطية المتاحة لقيام حياة سياسية قائمة على تداول السلطة التنفيذية والتنافس عليها انتخابيا؟ سؤال شبه أزلي يتكرر في الصحافة والمجالس والمحافل السياسية والاجتماعية، ولم تعد الإجابات النمطية والمتكررة عن التضييق على الأحزاب ومستوى الديمقراطية والحريات مقنعة أو كافية، صحيح أن قانون الانتخابات القائم لا يشجع على حياة سياسية حزبية بل ويساهم في إعاقتها، ولكن ذلك ليس كافيا أيضا لتفسير الظاهرة بدليل قدرة الحركة الإسلامية برغم القانون على النشاط والتأثير في الحياة السياسية والعامة.

قد يقال إن الخطاب الإسلامي الذي تقدمه الحركة الإسلامية ساعدها في اكتساب عدد كبير من المؤيدين، ولكن الخطاب الإسلامي كان متاحا لجميع الأحزاب والشخصيات السياسية، وثمة أحزاب وشخصيات سياسية تقدم خطابا إسلاميا لكنها لم تصل بعد برغم مرور أكثر من ثمانية عشر عاما على إطلاق الحريات والحياة السياسية إلى مستوى الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) في التأثير والقدرة على اكتساب المؤيدين.

بل إن ظاهرة الإسلاميين المستقلين التي ظهرت بقوة عام 1989 تبدو متجهة إلى الانحسار والأفول، وأما التيارات الإسلامية العريقة من غير الإخوان المسلمين فإنها تبدو متجهة إلى الابتعاد عن التأثير السياسي، وبعضها تبدو متجهة بعامة إلى التطرف والتشدد السياسي و/ أو الاجتماعي، ومن ثم فإنها مرشحة للأفول والانقراض لأنها تسير عكس حركة التاريخ والمنطق، ولم تستفد من الفرص المتاحة والمفترض أن الإخوان المسلمين استفادوا منها، ولم يقلل التضييق على الحركة الإسلامية من تأثيرها ولا حرمانها من كل ما وصف بأنه أدواتها في التأثير والانتشار، مثل المساجد والمؤسسات الاجتماعية، بل العكس فإن هذه السياسات ساعدت الإخوان المسلمين في تطوير خطابهم وأساليبهم للاقتراب من الديناميكيات الحقيقية للعمل والخطاب السياسي والاجتماعي وحولتها إلى جماعة سياسية واجتماعية أكثر واقعية ونضجا، كما لم تؤثر عمليات التضييق والملاحقة للحركات اليسارية والقومية لأكثر من ثلاثين سنة على شعبيتها وتأثيرها السياسي والنقابي، فما حدث هو العكس فقد كانت هذه الحركات قبل عام 1989 أحسن حالا بكثير، ولكنها اتجهت إلى الانحسار والتلاشي في المرحلة الديمقراطية بتسارع مفاجئ ومحير لا تكفي لتفسيره مقولة انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشيوعي العالمي، فقد بدأت الأحزاب الشيوعية واليسارية في دولها السابقة، روسيا وأوروبا الشرقية تستعيد تأثيرها وحضورها لتكون قوة سياسية رئيسة ومؤثرة، وبدأت في أميركا اللاتينية تحقق مكاسب سياسية مدهشة ومفاجئة.

والمجتمع المدني (والنقابات المهنية والعمالية) المفترض أن يكون الحاضنة الرئيسة للحياة السياسية والاجتماعية وحراك النخب والقيادات وتطوير الأعمال والمصالح والحياة السياسية والاقتصادية القائمة حولها والشريك الأساسي والأكبر للحكومة والأحزاب والشركات في إدارة وتسيير الحياة والموارد والتنافس والحراك السياسي والاجتماعي والثقافي يبدو هو الآخر ليس مختلفا اختلافا جوهريا عن الجماعات السلفية والدعوية في سلوكه الغائب عن رسالته الحقيقية ويكاد يتحول إلى "بزنس" بالغ الضحالة والفجالة، ويبدو هو الآخر متجها إلى الغيبوبة والعزلة.

أما القطاع الخاص الذي بدأ يحتل مكانة مهمة وواسعة في إدارة وتنظيم وتوريد الخدمات والسلع والاحتياجات الرئيسة للمواطنين والمجتمعات ويحصل على حصة كبيرة في قيادة العمل السياسي الرسمي والبيروقراطي فإنه يبدو غير راغب أو غير محتاج للمشاركة السياسية والاجتماعية، فلم يتقدم من رجال الأعمال والأثرياء للانتخابات النيابية والمشاركة الحزبية سوى عدد قليل لا يعبر عن حضورهم السياسي والاقتصادي والقيادي في الدولة والمجال الاقتصادي.

والجامعات التي كانت توفر القيادات السياسية والعامة والاجتماعية الواعدة يبدو أنها تحولت إلى ساحات للمشاجرات البدائية والغرائزية بدلا من أن تطلق طاقات العمل التطوعي والقيادي والإبداع والتفوق.

باختصار هناك تجفيف أو جفاف شديد في مصادر الحراك السياسي والاجتماعي يؤدي إلى خواء شامل لن تسعف الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية في مواجهته، بل ويخشى أن تزيد في رسوخه.

gharaibehi@yahoo.com

التعليق