د.باسم الطويسي

أسس متينة لكنها بعيدة

تم نشره في الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

تحت عنوان "إرساء أسس متينة" صدر مؤخرا عن منظمة اليونسكو التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع لعام 2007، وهو التقرير الخامس  ضمن سلسة من التقارير التي تعبر عن أهداف المجتمع الدولي المعلنة في التعليم للجميع، والتي حددت العام 2015 عاما مستهدفا لتحقيق هذه الأهداف، والتقرير الأخير يتحدث عن إرساء أسس متينة للتنمية والتغير الاجتماعي والثقافي المستهدف في كل المجتمعات من خلال الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة.

وعلى الرغم من التفاؤل الذي ينشره التقرير حول الإمكانيات الكبيرة التي يمكن ان يعول عليها في بناء أسس متينة للتنمية والتحديث عبر بناء أجيال جديدة، ومن خلال الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة إلا ان هذه الأسس المتينة ما تزال بعيدة المنال في العالم العربي حسب ما يقدمه التقرير الاممي من مؤشرات وحقائق صادمة تجعل من هذه الأسس المتينة أحد مصادر الكآبة الحضارية بالنسبة لنا.

ما يزال هدف الاهتمام والرعاية بالطفولة المبكرة في العالم العربي متواضعا وغير واضح، وما تزال المنطقة العربية حسب التقرير تتنافس مع دول جنوب الصحراء في معظم المؤشرات على المرتبة الأخيرة، وربما تفسر هذه الوقائع جوانب هامة من الأزمة الحضارية العربية الراهنة كما تتمثل في فشل التنمية، وفي ظاهرة ضعف الاستقبال والتواصل الحضاري مع الذات والآخرين، فالمسألة مرتبطة في مدى  القدرة على توفير تراكم نوعي في رأس المال البشري، يبدأ من الطفولة المبكرة؛ ذلك العنوان الذي ما نزال مصممين على إهماله.

فالحقيقية المحسومة علميا تذهب الى ان مرحلة الطفولة المبكرة؛ أي المرحلة التي تسبق دخول الأطفال المدارس، هي المرحلة الأهم في تكوينهم وبناء قدراتهم واستعدادهم للمعرفة والتعلم، وهي فترة بالغة الحساسية تتميز بحدوث تحولات سريعة في مجالات النمو الجسدي والتطور المعرفي والعاطفي والاجتماعي، والطفولة المبكرة هي الفترة التي يشهد فيها الدماغ تطورا كبيرا يرسي الأساس لعملية التعلم اللاحقة، والرعاية في الطفولة المبكرة التي ما تزال معظم مجتمعاتنا تنظر إليها كفضلة زائدة في عمر الأطفال، تؤدي الى تحسين الأداء في السنوات الأولى من التعليم الابتدائي وتسهم بشكل أساسي في الحد من الفقر وكل أشكال الحرمان، فلقد تأكد عالميا بأن إقرار إجراءات وقائية وتدابير لدعم الأطفال في سن مبكرة هو اقل تكلفة بكثير من التعويض عن الحرمان عندما يصبحون اكبر سنا.

وتركز أهداف التعليم للجميع على توفير خدمات الرعاية والتربية النظامية والتعليم المبكر للأطفال قبل دخول المدارس النظامية، والبرامج العالمية الناجحة هي التي تجمع بين التغذية والصحة والتربية والتنمية المعرفية للأطفال ورفاهيتهم الاجتماعية والعاطفية.

يشير التقرير بشكل واضح الى تدني مكانة المنطقة العربية في كافة المؤشرات الدالة على سلامة الإجراءات الراهنة، والتوجهات القائمة والمنتظرة في شأن رعاية الطفولة المبكرة، فالتشاؤم لا يتوقف عند الحاضر الذي يصوغه الكبار في هذا الوقت في هذا الجزء من العالم،  بل يمتد بعيدا لمستقبل الأطفال وربما على مدى ثلاثة أجيال قادمة وبكل أسف، ما تزال نسبة القيد في التعليم قبل الابتدائي في المنطقة العربية ودول جنوب الصحراء الأفريقية هي الأدنى عالميا ولا تتجاوز 15%، ما تزال المنطقة العربية تسجل أعلى نسب التفاوت في البرامج المحدودة المتوفرة بين العاصمة والمدن الرئيسة من جهة والأرياف والبادية، وما يزال هناك تفاوت في المساواة بين الجنسين في هذه الرعاية، وفي خدمات الرعاية للأمهات، ولا يوجد حتى مجرد الاعتراف بدور الآباء في برامج الرعاية للطفولة الآمنة.

يوجد اليوم في العالم حوالي 750 أميا، من بينهم 100 مليون من العرب أي 13% من أميين العالم، بينما لا يشكل العرب سوى 4% فقط من سكان العالم، خلال العقد الماضي تضاعف القيد في المدارس الابتدائية في المناطق التي تعاني من ظروف مشابهة مرات عديدة، باستثناء المنطقة العربية التي سجلت فقط نموا بنسبة 6%.

المشكلة لا تتوقف عند الحاضر؛ بل مصدر الكآبة التي تنتاب المرء في اننا مصممون على الاستمرار في هذه الأوضاع، في شراء الضعف والتخلف وفشل التنمية لثلاثة أجيال قادمة على اقل تقدير؛ فالأطفال الفقراء معرفيا وعاطفيا واجتماعيا، هم الأكثر استعدادا للفقر المادي في المستقبل، وهم الأكثر استعدادا للرضوخ  للاستبداد والظلم، وهم الأكثر قبولا لترك مصيرهم للمجهول.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Early Childhood (Mohammed Nasarat)

    الاثنين 8 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    Thanks to Dr. Twissi for this wonderful article ,and I want to say that small children generally learn
    best while playing, rather than by being "instructed." Knowing this, you can involve your child in lots of day-to-day activities and conversations that will help develop her/his literacy. You can talk to the child while playing, about whatever is of interest to you both. Nursery rhymes and songs are fun to learn and say or sing together.
  • »دور الاسرة (Mohammed Nasarat)

    الاثنين 8 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    إن للاسرة دور كبير في تنمية وتربيةالطفل تربية سليمة بعيدة عن الأخطاء والمعوقات التي قد تؤدي الى عرقلة واحباط مسيرة اطفالهم ، وقد تتبع الأسرة أساليب خاطئة في عمليات التربية والتنشئة الاجتماعية، فلا تتقبل الطفل ومواهبه، وتنظر إليه على أنه مشاكس وجالب للمشاكل، وتطلق عليه ألفاظاً وعبارات لا يقبلها أو تسخر منه ومن طموحاته، وفي المقابل هناك أنماط أخرى من التنشئة الاجتماعية الخاطئة أيضاً، كان تبالغ الأسرة في إطلاق عبارات الشكر والثناء على أبنها وتمنحه من العطف والتدليل أكثر من اللازم، مما قد يؤدي به إلى الغرور والشعور بالاستعلاء والتكبر.
  • »ارساء اسس متينه (اميرة)

    الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    ما كتبته في المقال عن التقرير ارساء اسس متينة من المواضيع الهامة حيث من الاحرى ااهتمام بها من خلال وزارة التربية والتعليم وتزويد المدارس بالاحتياجات الاازمة لتدريس الاطفال دون الستة سنوات بلاضافة لتبتي حمله لتوعية الاهل حول هذا الموضوع لعدم اهتمام الاهل وذلك لتعويلهم الجزء الاكبر على المدرسةويجهلوا اهمية التعليم في السن المبكره.
  • »تنميه عربيه (sa'ad helalat)

    الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    لقد اظهر التقرير العالمي التأخر العربي و الذي طالما صاحبنا بكافة مناحي الحياه وهذا ليس بجديد لكن من المعيب حفا الوقوف و البكاء على ماضي الحضارة العربيه التي اعطت البشريه علماء و فلاسفه عظام . ان مفهوم الدوله القطريه الذي تغلغل فينااو التباين في الموارد الاقتصاديه واهمال الكفءات العربيه و عدم و جود برامج واضحه و مدروسه من اجل انشاء اجيال متعلمه وواعيه لمستقبل العولمه و الاقتصاد و البحث العلمي و السياسه ادى لحدوث هذا الانقسام و التغريد خارج السرب و التأخر الذي تعاني منه البلاد العربيه او ما يسمى ( التخلف ) هو التأخر بأعداد الموارد البشريه فالانسان هو موضوع و هدف التنميه ّّ، يا ترى كيف سنرد على هذا التقرير ؟