حكومة ضد التنمية

تم نشره في السبت 6 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

المناقشات الحماسية حول ترشيحات الباكستان الرئاسية في شهر تشرين الأول كلها حول الانتخابات والقادة، بيد أن الرئيس الحالي والمرشح الوحيد، وكذلك رؤساء الوزراء السابقين الذين يناورون من أجل احتلال مركزٍ ما، جميعهم قد خذلونا في الماضي: الشرط الحقيقي لبقاء الباكستان هو الاستقرار والتقدم الاقتصادي.

باكستان هي حليف رئيسي للولايات المتحدة، ولكنها أيضاً عنصر كبير في عدم الاستقرار الإقليمي، وتتأرجح على حافة كونها دولة فاشلة، يرأسها قائد عسكري ويعمّها الفساد والعنف السياسي والحزبي والتوترات الانفصالية.

من المدهش حقاً، أنه ما زال هنالك فرصة بأن تكون القاعدة الأساسية لحكم القانون قد ظلت حية إلى الحد الذي سوف يُؤمِّن الاستقرار الذي تحتاج إليه الباكستان في إقامة اقتصاد مزدهر، وفي اقتصاد بالكاد أن يحافظ على بقاء البلاد.

يصنف اقتصاد الباكستان في موقع منخفض في أي معيار من المعايير، ومع ذلك فهنالك إشارات تدل على تحسنٍ تدريجي في الحرية الاقتصادية، كما يتبين من تقرير "الحرية الاقتصادية في العالم" السنوي الذي يصدره معهدا فريزر الكندي وكيتو الأميركي: يضع التقرير معايير لقياس الانفتاح والمرونة والاستقرار وتدخل الدولة في اقتصادات 141 بلداً، ذلك لأن النشاطات الاقتصادية، وليست الحكومات، هي التي تخلق الازدهار.

لقد رأينا اندفاعاً غير متوقع هذا العام في موضوع المساءلة وحكم القانون عندما رفضت المحكمة العليا محاولة الحاكم العسكري "برويز مشرف" عزل قاضي قضاة الباكستان "افتخار محمد شودري"—وكان عاقلاً عندما احترم هذا القرار في وجه احتجاج شعبي.

إن مما يدعو إلى العجب أنه بعد ستة عقود من الاضطرابات والفساد ما زال هنالك أناس في مؤسساتنا يُؤمنون بالدفاع عن الدستور، وهذا يعطينا الأمل بأنه ما زالت هنالك أسس من القوة بحيث تمكننا من بناء دولة فاعلة عليها.

ولكن ذلك كله سوف يبقى نظريات سياسية شكلية إذا لم يعط الباكستانيون الفرصة لتحسين أوضاعهم، وللعيش في حماية القانون، ولحماية حقوق الملكية الفردية.

مؤشر الحرية الاقتصادية يُحرر الجدل من النظريات والأفكار، وبالأخص تلك الفكرة المراوغة، ألا وهي الديمقراطية.هنالك ديمقراطية بالاسم وهي تعمل بشكل سيئ بالنسبة لمواطنيها (مثل تركيا وبنغلادش) وهنالك أنظمة تخدم مواطنيها جيداً(سنغافورة، الكويت، أو، إلى حد ما، الصين). من خلال التمسك بمعايير يمكن قياسها.

يجب أن لا يصيبنا العجب إذا وجدنا بأن الحرية الاقتصادية تفيد جميع المواطنين بما في ذلك المواطنون الفقراء؛ ذلك أن أفقر سكان سنغافورة أو سويسرا أو أميركا يكسبون ضعفي ونصف الضعف أكثر مما يكسبه المواطن العادي الروسي والتركي أو السوري.

الأخبار السيئة هي أن باكستان يأتي ترتيبها في101 من مجموع 141 بلداً، مسجلة 6 من مجموع 10، أي أسوأ من إندونيسيا وعلى مستوى موازٍ لإثيوبيا وهاييتي - بيد أن الأخبار الجيدة هي أنها زحفت إلى أعلى، منطلقة من 5.7 نقطة في العام2006.

إننا في أمس الحاجة إلى تقدم كبير في حكم القانون وحقوق المُلكية(بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية، على الرغم من بعض التحسينات)، وتخفيض الحواجز التجارية والقضاء على الرشوة والبيروقراطية. المشاريع التي تديرها الدولة ما زالت تُكلف أموالاً طائلة وتخلق عدم الكفاءة والفساد والحمائية تماماً مثلما تفعل الأنظمة الحكومية: هنالك تقاليد موروثة عن تدخلات حكومة كثيفة وسيطرة حكومية تنساب في مفاصل الاقتصاد.

من ناحية أخرى، يجب أن نعترف بحدوث تقدم في مجال تحرير الاستثمار في الصناعات، وإزالة بعض العوائق غير الظاهرة، والمتمثلة في العوائق أمام الاستيراد والسماح بعقد الصفقات الرأسمالية مع الأجانب،وضعف التمويل الخاص والائتمان بدءا بالتحسن في العام 2004.

وفي الحقيقة، فإن التعامل الاقتصادي في باكستان أصبح أكثر سهولة منه في الهند: وتُظهر أرقام البنك الدولي في تقريره بعنوان "مزاولة الأعمال" والذي نُشر لتوه، بأن الباكستان في هذا المجال تقع في الترتيب 78 بينما الهند في ترتيب أدنى هو120 من مجموع 178.

هذا التقدم البطيء جيد في الحقيقة في ضوء تاريخ باكستان السياسي والاقتصادي الذي كان مرتبطاً بالدولة والحكومة: فمنذ الاستقلال، كانت فكرة التنمية الاقتصادية ذاتها لا تنفصل بتاتاً عن السيطرة الحكومية.

الموضوع الرئيسي في ترتيب الحرية الاقتصادية وفي تاريخ الباكستان هو مستوى تدخل الحكومة: تستطيع الحكومات أن تقدم قليلاً من الأمور الجيدة ولكنها في الوقت ذاته تستطيع أن تحدث أضراراً كبيرة. الحكومة لا تخلق شيئاً، ولا تنبت شيئاً بل إنها تستهلك فقط، وتعيش على ما ينتجه الناس وتنفق أموالهم.إنها تستطيع فقط أن تفعل جيداً إذا سمحت بخلق الثروة عن طريق ضمان السلم العام وحماية المواطنين.

ومع وجود عبء تاريخي ثقيل من السياسات والأداء المتأرجحين في باكستان، فإن مؤشر الحرية الاقتصادية يعطينا الأدوات لتثبيت ما يسير في الطريق الصحيح وإصلاح ما يسير في الطريق الخطأ: اقتصاد فعال سوف يدعم المحاولات لتحقيق الديمقراطية وحكم القانون، وهما يدعمان بعضهما بعضاً في دائرة من التفاعل الحميد.

الرئيس الجنرال مشرف ورؤساء الوزارات السابقون بنازير بوتو ونوّاز شريف، جميعهم يدّعون بأنهم يجب أن يُعطوا فرصة أخرى.لكن المسألة هي ما إذا كان قادتنا سيئي السمعة يستطيعون رؤية أن الأدوات الاقتصادية هي أملهم الوحيد لإنقاذ البلاد والبقاء في الحكم.

خليل أحمد: مؤسس والمدير التنفيذي لمعهد الحلول البديلة في لاهور، الباكستان.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع "مصباح الحرية"

www.misbahalhurriyya.org

التعليق