إبراهيم غرايبة

من الصراع إلى التقسيم

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

هل أصبحت مشكلة العراق إثنية؟ وهل سيكون الحل والمستقبل في سياق التسويات والصراعات الإثنية؟ لقد بدأت التعددية الإثنية تشكل أساس الصراع في العالم منذ نهاية الحرب الباردة، البلقان، الصومال، وليبيريا، الكونغو، والسودان ورواندا وبوروندي، إندونيسيا وإسبانيا والولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية، فهل سيدخل العراق في هذا المسار، لتنتقل أزمته من الإرهاب إلى أسلحة الدمار الشامل إلى الصراع الإثني؟ وهل سيكون التقسيم مخرجا لابد منه لحل الأزمة أم أن العراق قسم بالفعل؟

الإثنية هي ظاهرة تاريخية تعبر عن هوية اجتماعية تستند إلى ممارسات ثقافية معينة ومعتقدات متفردة والاعتقاد بأصل وتاريخ مشترك وشعور بالانتماء إلى جماعة تؤكد هوية، والعرقية تختلف عن الإثنية في أنها قائمة على الأصل السلالي أو العرقي المشترك، فهي تعبر عن شعب أو قبيلة بغض النظر عن الثقافة والمعتقدات، والأمة ظاهرة اجتماعية تعبر عن جماعة تشترك في سمات جامعة كالدين والعرق واللغة والتاريخ والثقافة سواء كانت في إقليم واحد أو عدة أقاليم، ومفهوم الأمة هو الأكثر قربا وتشابها مع مفهوم الإثنية، والقومية تعبر عن جماعة قائمة على المكان، ومن معانيها أنها حركة سياسية تستهدف قيام كيان سياسي (دولة) فالقومية حركة سياسية والأمة كيان اجتماعي.

فهل تنطبق التعريفات السابقة على أزمة العراق؟ ولكن بعيدا عن محاولة تصنيف أزمة العراق وتوضيعها فإن الصراع قائم بالفعل، والكرد على الأقل يرغبون بالانفصال ويسعون إليه، ويفضلون دولة كردية مستقلة على عراق يرأسه كردي!

لكن الصراع الشيعي السني الذي بدأ يشكل العمود الفقري للأزمة ليس إثنيا ولا قوميا، ومن ثم فإن التقسيم لن يحل الأزمة نهائيا وبخاصة في بغداد التي يعيش فيها السنة والشيعة، وكذلك القبائل والعشائر والأمكنة المقسمة بين الشيعة والسنة، ولكن بالطبع ثمة تصور للتقسيم سيحل جزءا كبيرا من المشكلة وبخاصة أن عمليات هجرة واسعة تجري بين المدن والمناطق على أساس مذهبي، ولكن يبقى سؤال آخر هل سيمنح هذا التقسيم كلا من الشيعة والسنة طابعا مميزا وشعورا بالهوية ووعي الذات؟

الواقع أن التقسيم لن يوقف الصراع والعنف، وسيكون الملجأ في تكوين جيوش وميليشيات تواجه بعضها أو تحمي جماعاتها الأصلية، وهذا أيضا لن يوقف الصراع ولكنه سيحوله إلى صراع مؤسسي وليس حربا أهلية عشوائية.

ولا يبدو الانفصال مطلبا شيعيا أو سنيا، ولا يبدو الصراع صراعا على اللغة أو الدين والمذهب ولا لأجل الانفصال ولا الاستقلال الإداري أو الفيدرالية وليس صراعا على المناصب الحكومية والموارد العامة، وليست أزمة جماعات محرومة أو نخب غنية ومتنفذة.

وفي المقابل فإن الحلول المقترحة لمواجهة الأزمات والصراعات الأهلية والإثنية تبدو حتى اليوم غير مجدية في العراق، مثل الاستيعاب والدمج واقتسام السلطة والاستئصال والترحيل، فلا التعليم ولا الجيش ولا الدولة الحديثة في العراق شكلت وحدة صحيحة، ولا التقسيم الطائفي والمحاصصة التي طبقت منذ الاحتلال الأميركي للعراق أنهت الصراع بل إنها أثارته على نحو غير مسبوق.

الواقع أن ما لم يختبر في أسباب الأزمة العراقية هو التدخل الأميركي والإيراني في الشأن العراقي، ومن ثم فإن من المسارات التي يجب التفكير فيها ماذا لو انسحب كل من الولايات المتحدة الأميركية وإيران من العراق؟

صحيح أن العراقيين لن يكونوا في غياب الأميركيين والإيرانيين بلا أزمات وصراعات، ولكن الصراع في تلك الحالة سوف يعبر عن مطالب ومصالح حقيقية يمكن تحقيقها وتسويتها بين الفرقاء، ولكن الصراع في حالته الراهنة تحول إلى صراع أميركي إيراني، ولم يكن الصراع الأهلي الحاضر والمرشح للتأزم بذاته ولذاته سوى وقود للصراع الإقليمي والدولي.

التعليق