إبراهيم غرايبة

ألبانيا "الإسلامية الأوروبية"

تم نشره في الخميس 4 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 02:00 صباحاً

يعرض محمد الأرناؤوط في كتابه الذي صدر مؤخرا بعنوان "الإسلام في أوروبا المتغيرة" تجربة ألبانيا في القرن العشرين باعتبارها دولة إسلامية أوروبية، غير مرغوب فيها ولا مستقرة، مما جعلها بين الحربين العالميتين ساحة للصراع الإقليمي والدبلوماسي والابتزاز السياسي بين مجموعة من الدول الكبرى (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا).

ووجد الألبان أنفسهم مشتتين ضمن دول عدة لا ترغب فيهم (صربيا والجبل الأسود واليونان)، بينما لم تتسع ألبانيا إلا لنصف الألبان. وضمن المخاض الصعب الذي ولدت فيه ألبانيا فقد كانت أول دولة إسلامية تقوم منذ لحظة تأسيسها على العلمانية التي كانت تمثل قطيعة كاملة مع النظام العثماني الذي استمر قرونا عدة.

وقد أصبحت ألبانيا جزءا من الدولة العثمانية في عام 1382 واستقلت عام 1913 أي بعد أكثر من خمسمائة سنة من التبعية للدولة العثمانية، ولكن في الحقيقة لم يعد مصير ألبانيا بيد الألبان أنفسهم بل أصبح بأيدي القوى الكبرى التي وافقت على قيام دولة شبه مستقلة للألبان ولكن بشرط أن تكون محايدة وتحت وصاية ورقابة ست دول، هي: ألمانيا والنمسا وروسيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا. وتركت حدود ألبانيا مفتوحة لمزيد من المفاوضات بين الدول المعنية دون مشاركة الألبان أنفسهم.

ومن اللافت في ألبانيا أن المسلمين تجاوبوا إلى حد كبير مع الأفكار والدعوات العلمانية، وكان تأييدهم لفصل الدين عن الدولة أكثر من الألبان المسيحيين، وربما كان للتحريض الخارجي للمسيحيين الألبان أثر كبير في ذلك لأجل إثارة المشاكل والقلاقل تمهيدا لاحتلال ألبانيا، وهذا ما حدث في عام 1939 حين سقطت ألبانيا تحت الاحتلال الإيطالي.

ودخل الألبان في مواجهة مسلحة مع الاحتلال الإيطالي انتظم فيها جميع الألبان على مختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية والطائفية، وصعدت في أثناء المقاومة المجموعات الشيوعية، وشكل الحزب الشيوعي جبهة التحرير الوطنية في عام 1942 وكان لتغاضي الحزب عن الاحتلال اليوغسلافي لكوسوفو دور في انقسام الجبهة وتشكيل الجبهة القومية برئاسة مدحت فراشري، وحدث نزاع مسلح أقرب إلى الحرب الأهلية بين الشيوعيين والقوميين والليبراليين، وانتصر الشيوعيون في هذه الحرب بفضل مقاومتهم للألمان التي عادت عليهم بالدعم من الشرق والغرب.

وهيمن الشيوعي أنور خوجة على الحكم في عام 1944، وسيق قادة الجبهة القومية إلى الاعتقال والسجن والإعدام، وحظرت الأحزاب السياسية عدا الحزب الشيوعي، وأعلنت ودخلت ألبانيا منذ أواخر الثمانينيات في مرحلة سياسية جديدة قائمة على الحريات والتعددية السياسية، وقد كانت في سنواتها الأولى تعبر عن تحول إيجابي كبير في ألبانيا نحو العودة إلى الإسلام والازدهار الاقتصادي، ولكنها في رأي المؤلف حملت تحديات ومخاطر جديدة لا تقل في تأثيرها وخطورتها عن مرحلة الحكم الشيوعي، بل إنها تهدد الوجود الإسلامي في ألبانيا على الأقل من وجهة نظر الكثير من الكتاب والمفكرين الإسلاميين، بينما نجد قسما آخر من الكتاب المسلمين يعتقدون أن المرحلة الجديدة تحمل كثيرا من الفرص المهمة.

وانتهى الاحتكار الشيوعي عام 1992 عندما أجريت انتخابات عامة وفازت المعارضة برئاسة الحزب الديمقراطي بالأغلبية النيابية، وانتخب صالح بريشا كأول رئيس غير شيوعي منذ عام 1944، وأصدر البرلمان مجموعة من القوانين تشجع الحريات وحقوق الإنسان والحريات الدينية.

وتشهد ألبانيا موجة من العودة إلى الدين والحريات السياسية، ولكن تجربة الديمقراطية الجديدة التي أصيبت بنكسة قوية عام 1997 حملت تحديات جديدة للمسلمين.

كان التحدي الأكبر أمام الألبان يتمثل في تدفق مئات الألوف من الألبان إلى دول الجوار الأوروبية مثل إيطاليا واليونان بحثا عن عمل وفرص جديدة للهجرة والحياة. وحدث تراجع اقتصادي كبير بحلول عام 1996 وأدى ذلك إلى تمرد يقوده الشيوعيون السابقون في جنوب ألبانيا، وقام المتمردون بهجوم كبير على ثكنات الجيش وبالاستيلاء على مخازن السلاح، وفي مثل هذه الظروف عقدت الانتخابات البرلمانية المبكرة عام 1997 وفاز فيها الحزب الاشتراكي، وتمكن من العودة إلى الحكم، وقد جمدت الحكومة الجديدة عضوية ألبانيا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وأقر دستور جديد.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق