"الاعتدال" في الاعتدال

تم نشره في الأربعاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

لأن سمة هذا الزمن هي "الاعتدال" فإننا مطالبون بالاعتدال في كل شيء تقريباً،وسأقصر حديثي على المسائل السياسية،حيث اصبح بديل الاعتدال، بل نقيضه المباشر هو "التطرف".

ولان طغيان الدعاية، ولان هيمنة وسائل الاعلام، قد أديا الى التحكم الكامل بتفكيرنا والسيطرة التامة على توجهاتنا،وقدراتنا على التفاعل مع ما يجري حولنا. فقد اصبح لزاماً علينا ان تصيغ خطابنا السياسي بالطريقة التي تحميه من الاستغلال المغاير، ومن جلب النتائج المضادة.

بمعنى آخر، دجنتنا الظروف على الالتزام ليس فقط بالخطاب المعتدل الذي يُسهّل على العالم الخارجي، ورأيه المؤثر، فهم قضايانا وعدالتها، وفهم الظلم الذي حل بنا على مدى العصور، بل اصبح المطلوب هو المغالاة في الاعتدال لدرجة التفريط والذهاب الى نقيض الغاية والهدف.

يظل الخطاب الرصين الهادئ المستند للحجة المقنعة المدعمة بالحقيقة، والملتزم بقواعد التعامل الاصولية الراقية، وبالقانون قبل اي شيء اخر، يظل هو الاساس،ويظل الافضل، ولكن شرط ان لا يكون ذلك وسيلة لإخفاء الحقيقة، او لتمييع الحق، لدرء تهم التصلب والتطرف، فالاسلوب شيء والمضمون الذي لا يجوز العبث به هو شيء آخر تماماً.

قضيتنا المصيرية والتاريخية هي قضية فلسطين..وقد لعبت الدعاية على مدى تاريخ هذه القضية الطويل ادواراً حاسمة في ترجيح كفة هذا الجانب او تلك والمحصلة،التي لا يمكن المجادلة بشأنها،هي اننا في الجانب العربي خسرنا المعركة الدعائية بالرغم من اننا اصحاب الحق،واننا نحن الذين تعرضنا للعدوان والظلم والتشريد..والطرد من الاوطان التي اصبحت ملكاً لغيرنا واصبحت المطالبة بها ضرباً من الجنون والتطرف.

اكثر ما روج ضدنا هو مقولة لم يجد لها الباحثون اثراً،وهي عزم الامة العربية على الالقاء باليهود في البحر..وليس من الصعب على اي مراقب ان يُدرك مدى ما قد يجلبه مثل هذا الادعاء على اليهود من عطف خاصة بعض قصص المحرقة ونمو عقدة الذنب في اوروبا تجاه ما حل باليهود.

وروج ايضاً ان اليهود بانتقالهم لفلسطين حولوا الصحراء الى جنة خضراء يانعة..وروج ان فلسطين كانت بلا شعب..ولكل من قال ان فلسطين كانت مأهولة بسكانها الاصليين جاء الرد بأن بلاد العرب واسعة ولن تضيق بالفلسطينيين..

وقد تكرس استغلال الدعاية المضادة ضد العرب،وضد الفلسطينيين،وتكرس تأليب الرأي العام ضدنا ايضاً ولصالح اسرائيل،بعد ظهور المقاومة الفلسطينية وانتشار نشاطها في العواصم الاوروبية خارج فلسطين، ضد الطائرات وخطفها وضد اهداف مدنية كانت لها احياناً علاقة بالخصم،وكانت ضد اهداف لا علاقة لها في مناسبات اخرى.

وظلت بعض التصرفات غير المدروسة، وغير الحكيمة، سواءً في اطار المقاومة المسلحة، او في اطار العمل السياسي تلقي بظلالها السلبية على مجمل عدالة القضية لصالح الخصم، الذي نجحت اساليب الدعاية البارعة، واستغلالها لثغرات العمل، او رد الفعل العربي، نجحت في تحويل المعتدي الى الضحية والضحية الى المعتدي والمسؤول عن كل المآسي التي حلت به. ونجح استغلال الدعاية للاخطاء العربية في التغطية على فظائع الخصم ذاته وانتهاكاته المستمرة لكل الحقوق والقوانين والاعراف الدولية وقرارات الامم المتحدة.

هذا الوضع ما يزال قائماً حتى الآن، بل يصح الاستنتاج بأن التفاقم باتجاه الاسوأ، بعد احداث الحادي عشر من ايلول(وقبل ذلك ظهور الهجمات الانتحارية بعد غزو اسرائيل للبنان عام 1982 وفي فلسطين بعد عام 1994)، قد بلغ حداً خطيراً وصم العرب والمسلمين بالعنف والارهاب، والخروج على كل ما يضمن سلام العالم وامنه، بعبارة اخرى اصبح العرب والمسلمون معضلة هذا العالم، واصبح الفلسطينيون، وهم ضحية،اكبر ظلم في التاريخ، هم المسؤولون عن كل ما حل بهم وبالمنطقة.

صحيح ان هذا هو ليس اكثر من حكم تعميمي على حقبة من التاريخ هي في حقيقتها اكثر تعقيداً، وفي تفاصيلها ما يتعارض مع هذه الاحكام التعميمية..ولكن الغاية هي اثبات ان الخطاب المتعثر يؤدي لنتائج عكسية، والفعل المتعثر يأتي بنتائج اسوأ.. وان كان لا يصح القول على الاطلاق بأن مجمل الخطاب السياسي العربي، او مجمل الفعل العربي كان خطأ.. فتلك مجافاة ظالمة للحقيقة، وهي ايضاً اختلاف واضح مع الواقع، فإنه لا يصح ايضاً ان ننكر ان اخطاء كثيرة وممارسات ضارة ساهمت في تشويه الصورة وفي قلب الحقائق رأساً على عقب.

خلال عقود متتالية احتدم الجدل حول ضرورة تصويب الاسلوب، وتعديل لغة الخطاب، واعتماد وسائل الممارسة التي يفهمها المجتمع الدولي والرأي العام العالمي والتي من خلال فهمها يدرك صواب موقفنا وعدالة قضيتنا..ومن هنا تأكدت ضرورة الخطاب المعتدل والفعل المعتدل، والتي هي فضائل مطلقة في كل الظروف.

ولكن السؤال هو اين حدود الاعتدال؟لقد ظلت هذه الحدود تتقلص حتى اصبح الاعتدال في لغة بعض الساسة التسليم الكامل بكل الحقوق واختصار القول على ما يقبله، او حتى ما يمليه الجانب الآخر.

لقد بلغ التراجع حداً اصبح معه الحديث عن ان للفلسطينيين حقوقاً في كل فلسطين ضرب من التطرف.. نعم للفلسطينيين حقوق في كل فلسطين وليس في الضفة الغربية وغزة فقط.. وان كانوا قد قبلوا بإسرائيل واعترفوا بها فذلك لا يعني سقوط حقوقهم بل يجب التوصل لتسويات عادلة لكل ما اغتصبته اسرائيل من اراض وحقوق واقامة عليها دولة..

لكن ما هو اسوأ هو ان المطالبة بالضفة الغربية وبغزة فقط اصبح تطرفاً ايضاً، لان اسرائيل اقامت مستوطنات وبنت جداراً للفصل العنصري. وشقت طرقا وعزلت مناطق حماية.. وهنالك من يطالبون من بين الفلسطينيين بأية تسوية على حساب القدس.. وحقوق اللاجئين التي هي اكبر من حق العودة الذي صار رمزاً مختزلاً لهذه القضية الاساس.

وما هو اسوأ ان الدعوة لمقاومة الاحتلال الجاثم على صدور الناس منذ اربعين سنة هي دعوة للارهاب.. من خصائص الاعتدال، كما عرفته الظروف الجائرة التي تراكمت على مدى العقود، انه لا يحق لسورية ان تطالب بأرضها او تتسلح لان ذلك يشكل خطراً على اسرائيل وقس على هذا بالنسبة لإيران ولبنان وفلسطين وغيرها.

وفي المقابل لإسرائيل كل الحق ان تبني اكبر ترسانة نووية، وان تكون لديها قوة عسكرية في المرتبة الخامسة بين قوى العالم وان تفتح لها كل ابواب مخازن السلاح في اميركا، او اي مكان في العالم..

ولإسرائيل الحق ان تتشدق بالسلام وتهاجم وتقتل وتصادر اراضي وتشدد الحصار كل يوم دون من يحاسب او من يسأل.

نعم يجب ان نحرص كل الحرص على الاعتدال قولاً وفعلاً ولكن الوضوح الكامل في تعريف الحقوق في كل منبر، دون اعتبار القياس على انه ما يُرضي او ما يغضب العدو، هو اعتدال ايضاً،وهو الطريق الاقصر للتسوية السلمية السليمة.

يجب ان لا يصبح الاعتدال المطلوب صنو الخنوع الاعتذاري المتردد والمكيف لغايات خصم لم يلجم شهيته بعد كل التنازلات الحقيقية..وكل التفريط بأقدس عناصر القضية المصيرية، ليكن المطلوب اعتدالا معتدلا عادلا واقعيا وجريئا من اجل كبح التدهور السريع وحماية الحقيقة المظلومة.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »thank you (omar)

    الأربعاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    thank you very, very much. you are absolutely right
  • »سلمت يا دكتور حسن (عبدالله بريزات)

    الأربعاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    أصبت كبد الحقيقة. التطرف في الاعتدال فيه من السؤ ما في التطرف في كل شيء آخر. ونتمنى على قادة الدول العربية (وليس المجتمعات العربية) أن يرحمونا في اعتدالهم مع امريكا واسرائيل. والله يلطف بالناس يا شيخ.