صناعة سبوتنيك

تم نشره في الثلاثاء 2 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول1957 كان والدي نيكيتا خروشوف ينتظر مكالمة هاتفية. فقد كان من المنتظر أن يتصل به كبير المصممين سيرجي كورولوف من موقع الإطلاق في تيوراتام (التي تحولت فيما بعد إلى بايكونور كوسمودروم) في كازاخستان،كي يبلغه عن أخبار إطلاق أول قمر من صنع الإنسان في العالم.

في وقت مبكر من هذا اليوم،كان والدي في كييف بأوكرانيا، في رحلة عمل عسكرية.وهناك حضر استعراضاً للدبابات وهي تعبر نهر دنايبر، ثم ناقش مع الجنرالات السوفييت مصير وزير الدفاع الفريق جورجي زوكوف(كان زوكوف يُـشتبه في تخطيطه لقلب السلطة، وقبل أن يقرر والدي إرغام أحد جنرالات الحرب العالمية الثانية من الحاصلين على العديد من الأوسمة على الاستقالة، فقد بادر هو وزملاؤه إلى الحصول أولاً على الدعم الكامل من عدد من كبار الجنرالات، الذين وافقوا على خطة خروشوف).

وفي مساء نفس اليوم تناول والدي العشاء مع زعماء أوكرانيا.كنت أجلس على طرف المائدة ولا أولي اهتماماً إلى محادثاتهم.كان الجميع مرهقين، إلا أن أبي لم يكن يتعجل الخلود إلى الفراش.وبحلول منتصف الليل تقريباً، انفتح الباب ودخل السكرتير ليخبر والدي أن مكالمة هاتفية في انتظاره. وحين عاد خروشوف قال في ابتسامة واسعة:"لقد نجح إطلاق سبوتنيك".

كان المهندسون السوفييت قد شرعوا في تصميم سبوتنيك في شهر يناير/كانون الثاني1956. وكانت الخطة تقضي بإطلاق القمر الاصطناعي باستخدام R-7، وهو صاروخ باليستي عابر للقارات كان قيد التطوير منذ العام1954. إلا أن بقية بلدان العالم لم تلتفت كثيراً إلى التصريحات المبهمة التي نشرت في الصحافة السوفييتية عن احتمال إطلاق صاروخ ما قريباً؛وكان الجميع خارج الاتحاد السوفييتي على اقتناع تام بأن الولايات المتحدة سوف تطلق أول قمر اصطناعي في العالم.

كان العلماء السوفييت يتصورون أن الأميركيين سوف يتكتمون على خططهم حتى يتمكنوا بنجاح من إطلاق قمرهم الاصطناعي، وعلى هذا فقد كانت كافة مخططاتنا محصورة في إطلاق قمرنا الاصطناعي قبل الأميركيين.وخلال الفترة بين شهري أغسطس/آب وسبتمبر/ أيلول 1957 كان العلماء قد جربوا إطلاق الصاروخ R-7 مرتين بنجاح.وكان العمل لا يتوقف على مدار الساعة.

وبالكاد ظهرت أخبار إطلاق سبوتنيك في الصفحة الأولى من جريدة برافدا.ولم يحتل الخبر سوى نفس المساحة التي أفردت لتقرير عن زيارة زوكوف ليوغوسلافيا،بل وفي مكان غير بارز من الصفحة.ولم يشتمل الخبر على عناوين رئيسية ضخمة أو تعليقات حماسية.والحقيقة أن جميع الصحف السوفييتية، باستثناء الخبر الذي نشر في صحيفة برافدا، تجاهلت ذلك الحدث الذي أذهل بقية العالم.

كان السبب وراء هذا بسيطاً.فقد كان والدي والشعب السوفييتي يرون أن نجاح إطلاق سبوتنيك أمر طبيعي وعادي،وأننا كنا نتفوق على الأميركيين خطوة بخطوة. فقد كنا نحن وليس الأميركيين من أنشأ أول محطة طاقة نووية في العالم. فضلاً عن ذلك فقد سجلت الطائرة الميغ سوفييتية الصنع أرقاماً قياسية في الخمسينيات، كما كانت طائرة الركاب السوفييتية Tu-104 هي الطائرة الأكثر كفاءة بين كل الطائرات من فئتها. وعلى هذا فإن إطلاق سبوتنيك لم يكن مفاجئاً أو مدهشاً في نظرنا.

ولم تنشر الصحافة اسم كورولوف رغم أن جهاز الاستخبارات والأمن الداخلي(KGB) لم ير سبباً للتكتم على اسم هذا العالِم،إلا أن رئيس جهاز الاستخبارات والأمن الداخلي إيفان سيروف أسرّ لي قائلاً: "إن موارد العدو محدودة، لذا فلا مانع من دفعهم إلى إهدار جهدهم في محاولة للكشف عن أسرار هي في الواقع ليست بأسرار على الإطلاق".

ولكن العالم كان في أشد التحرق إلى التعرف على هوية ذلك العالِم. حتى أن لجنة جائزة نوبل قررت منح جائزتها لـِ"كبير مصممي" سبوتنيك، إلا أنها لابد وأن تعرف اسمه أولاً.وعلى هذا فقط طلبت اللجنة اسم المهندس من الحكومة السوفييتية.

كان على والدي إن يزن رده بكل حرص. فقد كانت المسألة معقدة، ولم يكن همه في هذا السياق التكتم أو الخصوصية. فقد كان مجلس كبار المصممين مسؤولاً عن كافة مشاريع الفضاء.وكان كورولوف رئيساً لذلك المجلس، إلا أن بقية كبار المصممين ـ وكانوا أكثر من اثني عشر ـ لم يعتبروا أنفسهم أقل منه أهمية.

لقد أدرك والدي أن كبار المصممين كانوا من ذوي الطموح والغيرة. وعلى هذا فقط رأى أن بقية أعضاء المجلس سوف يستشيطون غضباً إذا ما منحت لجنة نوبل جائزتها لكورولوف فقط.وبالتالي كانوا قد يرفضون العمل مع كورولوف بعد ذلك،وبهذا ينهار هذا الفريق البارع وكأنه بيت من أوراق اللعب، وتخيب الآمال في أبحاث الفضاء وتصميم الصواريخ في المستقبل، الأمر الذي من شأنه أن يهدد أمن البلاد.وطبقاً لوجهة نظر والدي فقد كان بوسعه أن يأمر العلماء والمهندسين بالعمل معاً، إلا أنه لا يستطيع أن يرغمهم على الإبداع.

في النهاية أبلغ والدي لجنة نوبل أن كل أفراد الشعب السوفييتي شاركوا في تصميم وتصنيع سبوتنيك، وأنهم جميعاً يستحقون الجائزة. وبطبيعة الحال، شعر كورولوف بالإهانة، إلا أنه ظل صامتاً.وبالطبع رحب بقية كبار المصممين بقرار والدي.وبهذا ذهبت جائزة نوبل إلى شخص آخر.

ولكن على الرغم من الآلام التي تحملها والدي،فقد أعرب بقية المصممين عن سخطهم بشأن حصول كورولوف على كل الدعاية، حتى مع أن اسمه لم يُذكر صراحة. ففي عالمهم"السري"، لم يكن من المجهول لأي شخص من هو حامل لقب"كبير المصممين".

كان فالنتين غلوشكو مصمم المحركات أول من أعلن تمرده، وهو المهندس الذي كان محرك الدفع السائلRD-170 الذي صممه يستخدم في دفع الصواريخ الروسية وبعض الصواريخ الأميركية. فأثناء أحد اجتماعات المجلس قال غلوشكو:"إن محركاتي قادرة على إرسال أي قطعة من المعدن إلى الفضاء".ولقد أغضب هذا كورولوف، ذلك أن صاروخه لم يكن مجرد قطعة من المعدن، وبعد نجاحه مع سبوتنيك، لم يعد يعتبر غلوشكو نداً له. بالطبع، تم إخراس هذا النزاع سريعاً، إلا أن الاستياء المكتوم ظل باقياً.وسرعان ما عرض غلوشكو خدماته على مصممي صواريخ سوفييت آخرين،مثل ميخائيل يانجل وفلاديمير شيلومي ـ وهما من أكبر منافسي كورولوف.

لم يتمكن والدي من إحلال السلام بينهما.ولكن من الناحية الفنية، وانصياعاً لأمر الحكومة، استمر غلوشكو في تصميم المحركات لكورولوف،إلا أن عمله لم يكن جيداً.من هنا،وعلى الرغم من انتصار سبوتنيك في مستهل الأمر، فقد خسر السوفييت بعد عقد واحد من الزمان السباق إلى القمر لصالح الأميركيين.

سيرجي ن.خروشوف نجل الرئيس السوفييتي الراحل نيكيتا خروشوف، وهو يعمل في الوقت الحالي أستاذاً بجامعة براون.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق