تعليمات ابنة "الموساد"

تم نشره في الاثنين 1 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

صدرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أمس الأحد، تحمل تصريحات خاصة لوزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبي ليفني، تطلق فيها ما يمكن تسميته "بالتعليمات" للدول العربية حول كيفية التعامل مع إسرائيل، وحتى كيف تدار العمليات الانتخابية في تلك الدول.

وبقدر ما نجد سخافة في قراءة وتفسير هذه التصريحات، فإننا نجد بأضعاف ذلك استعلاء صهيونيا منفلتا في عالم خلت منه التوازنات السياسية.

فتقول ليفني في تصريحاتها أمس، "إن على القادة العرب ألا يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، فمهمة قادة الدول العربية هي تعزيز ودعم العملية السياسية، لا أن يضعوا أمامها العراقيل".

ثم تطالب ليفني الدول العربية بإقامة علاقات دبلوماسية وتطبيع مع إسرائيل، دون انتظار الحل الدائم، وتقول: "على العرب ان يوافقوا على صفقة مع إسرائيل، بموجبها، كل خطوة ايجابية تقوم بها إسرائيل تجاه الفلسطينيين، أن تتخذ الدول العربية خطوة ايجابية تجاه إسرائيل، فهذا يسهل على إسرائيل اتخاذ خطوات ايجابية، تساعد القادة العرب على تهيئة الرأي العام في بلادهم".

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من "كشف" صحيفة "هآرتس"، "لخطة ليفني"، التي قيل أنها ستعرضها على قادة ومسؤولين في الدول العربية، خلال زيارتها الحالية إلى مقر الأمم المتحدة، وبموجبها "سيكون" على الدول العربية منع حركات إسلامية تصفها حكومة الاحتلال الإسرائيلي بـ "الارهاب"، من المشاركة في العملية الانتخابية الديمقراطية في تلك الدول، "مستندة"، وفق العقلية الإسرائيلية، إلى نموذج حركة حماس، ووصولها إلى السلطة الفلسطينية.

إذا أردنا تسخيف هذه التصريحات، فنسأل، هل تطالب الوزيرة ليفني بأنه مقابل إزالة أي حاجز عسكري صغير من أصل 572 حاجزا في الضفة الغربية، أن تبادر مجموعة دول عربية لإقامة علاقات دبلوماسية معها، أو هل لدى إطلاق سراح 100 أسير فلسطيني، أن تنضم إسرائيل إلى الجامعة العربية، وإن أكثر نقل مقر الجامعة كله إلى تل أبيب.

في الحقيقة هذه ليست سخافة إسرائيلية، فتسيبي ليفني ليست حديثة العهد في السياسة الإسرائيلية، لا بل أنها توصف في الحلبة السياسية الإسرائيلية بأنها ذات "مواهب غير محدودة"، فهي التي ما أن أنهت دراستها في الحقوق حتى استدعاها جهاز المخابرات الخارجية "الموساد" للعمل لديه، وحينما غادرته بعد أربع سنوات، وكما نقرأ في ما كتب عنها في إسرائيل، فإن قادة الموساد في حينه عبروا عن أسفهم لهذه المغادرة، لأنهم توقعوا لها تقدما سريعا في الموساد.

في هذه التصريحات استعلاء صهيونيا متزايدا، مدعوما من الإدارة الأميركية الحالية، وهو استعلاء خطير في التعامل مع الدول العربية، ولكن أيضا فيه عملية دق أسافين.

فبقول ليفني: "على العرب ألا يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين"، فيه إيهام خطير بأن القيادة الفلسطينية، قد قدمت تنازلات لإسرائيل، وعلى العرب أن يدعموا، رغم أن هذا التلميح يتناقض مع الخبر الرئيسي الذي صدرت فيه "هآرتس"، أمس، أيضا، وينقل "تخوفات" إسرائيل من تصلب الموقف الفلسطيني في المفاوضات اللاحقة.

وفي هذا ليس فقط دق أسافين، وإنما أيضا، حملة تشويه للقيادة الفلسطينية، في إطار حملة عناق الدببة الإسرائيلية للرئيس عباس لإضعافه أكثر بالرأي العام الفلسطيني، وإظهاره كمتنازل عن الثوابت الفلسطينية، التي لا يمكن لأي فلسطيني ان يوقع على أي اتفاق فيه شيء من هذا.

ولكن لا حدود للوقاحة الإسرائيلية، حين تحاول ليفني استثمار الصراع الفلسطيني الداخلي للتحريض على الحركات الإسلامية والأصولية في العالم العربي، بينما إسرائيل هي آخر من يحق لها الحديث عن الارهاب والعنصرية، خاصة إذا قرأنا كل تفاصيل الحلبة السياسية الإسرائيلية.

لا يمكن بأي حال من الأحوال وضع الحركات الإسلامية في كفة المقارنة، وهو أمر مرفوض، ولكن هذه مناسبة للقول إن في إسرائيل تنتشر أشد الحركات الفاشية والإرهابية الصهيونية، ومنها من يشارك في الحكم، والتحريض الدموي الواضح ضد العرب لا يتوقف، فكيف من الممكن لإسرائيل أن تعظ بمحاربة الارهاب وهي تقود سياسة إرهاب دولة من الدرجة الأولى ضد شعب بأكمله، وكيف لتسيبي ليفني ان تتحدث عن الارهاب، وزميلها على طاولة الحكومة يدعى "أفيغدور ليبرمان".

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق