تقسيم القدس والإجماع الصهيوني

تم نشره في الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

عادت قضية مستقبل مدينة القدس المحتلة إلى النقاش في الساحة السياسية الإسرائيلية، في الأيام الأخيرة، في أعقاب تصريحات نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية، الوزير حاييم رامون، الذي قيل عنه وكأنه "يؤيد تقسيم القدس" بين الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية العتيدة.

ونقلت وسائل ووكالات الأنباء تصريحات رامون بشكل مجزوء، وظهر بأبعد مما يقصد، دون الانتباه إلى تفاصيل تصريحاته، خاصة حين يقول إنه يريد "تسليم الأحياء العربية للدولة الفلسطينية".

وسقطت وسائل إعلام وصحف عربية في شرك هذا التصريح التضليلي، حتى حظي رامون بهالة لا يستحقها، وهناك من كاد يغرق بوهم أن رامون يريد إعادتنا إلى حدود الرابع من حزيران(يونيو) 1967.

ولكن في الحقيقة فإن رامون، وعلى الرغم من الضجة المفتعلة التي أعقبت تصريحاته، لم يخرج إطلاقا عن الإجماع الصهيوني في ما يتعلق بالقدس المحتلة، لا بل ان ما يدعو إليه هو ما يتم تطبيقه على أرض الواقع من خلال جدار الفصل العنصري، في داخل المدينة.

فرامون لم يدع إلى إعادة تقسيم القدس، بل ما قاله بالحرف الواحد:"تسليم الأحياء العربية للفلسطينيين"،والشق المكمل لهذه العبارة هو احتفاظ الاحتلال الإسرائيلي بالأحياء الاستيطانية في داخل القدس المحتلة، التي يستوطن فيها حتى الآن أكثر من190 ألف مستوطن، هم عدد تغيّبه إسرائيل عن احصائيات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

لا يمكن لأي تعبير كلامي أو حتى تصويري ان يعكس حجم الجريمة التي تطبقها سلطات الاحتلال في المدينة المحتلة من خلال جدار الفصل العنصري، فهذا الجدار الذي يبلغ طوله 46 كيلومترا في داخل المدينة، لا يفصل أحياء وضواحي بأكملها عن مركز المدينة، وبالأخص عن البلدة القديمة فحسب، بل حتى يفصل بيوت العائلة الواحدة عن بعضها.

فبسبب الجدار تحولت "رحلة" دقائق معدودة جدا وبضعة أمتار، إلى رحلة نصف ساعة وساعة والى مئات أمتار كأقل تعديل، والى كيلومترات على الغالب، ولربما أحد الأمثلة الصارخة على هذه الجريمة هو حي العيزرية، الأقرب إلى البلدة القديمة، الذي أطرافه تسمع آذان المسجد الأقصى المبارك، فالأهالي هناك بات عليهم السفر كيلومترات بسياراتهم، أو سيرا على الأقدام مئات الأمتار شرط ان يقفوا عند حاجز عسكري شبيه بحاجز دولي، له أوقاته وشروطه.

وما يجري فعليا على أرض الواقع هو تغيير جغرافية المدينة التاريخية بشكل مصطنع على أساس ديمغرافي، إذ يتم فصل أحياء فلسطينية قريبة بمئات الأمتار(خط هوائي) عن البلدة القديمة من خلال الجدار، وفي المقابل ضم أحياء استيطانية ومستوطنات تبعد10 وحتى 15 كيلومترا عن مركز المدينة، وهذا بهدف سحب المواطنة من150 ألف فلسطيني على الأقل، وضم عشرات آلاف المستوطنين إلى منطقة نفوذ المدينة لإظهار غالبية مصطنعة لليهود.

وهذا بالضبط ما تعنيه "هوامش" تصريحات رامون، التي أغرقت البعض، وراحوا يبحثون عن أجنحة بيضاء يلصقونها "بحمامة السلام" المتمثلة بحاييم رامون.

وهذا بالضبط ما يحظى بشبه إجماع صهيوني، واجماع مؤكد للأحزاب الكبيرة التي تتناوب على السلطة في إسرائيل،وعدا ذلك فإن النقاش الباقي يدور حول ما يسمى بـ"إدارة الأماكن الدينية" وهي مسألة حيز الخلاف الإسرائيلي الداخلي حولها هامشي وبسيط جدا، وحتى ان فيه تداخل بين المعسكرين الصهيونيين، اليساري واليميني.

وهذه الحالة مناسبة للإشارة إلى نقطتين هامتين تتعلقان في كيفية التعامل مع مجريات الحلبة السياسية في إسرائيل، إحداهما، أن قراءة مجريات الحلبة السياسية الإسرائيلية تتطلب أيضا قراءة تفاصيل الشخص الذي يقف في مركز الحدث، فرامون هذا معروف عنه انتهازيته، وسرعته في القفز بين المواقف السياسية طالما ان هذا يدفعه نحو رأس الهرم السياسي.

ورامون بالذات كان في سنوات الثمانين،وحتى مطلع سنوات التسعين، من جناح "الحمائم" في حزب "العمل"،ولكن حين لمس عدم قدرته على الانطلاق أكثر نحو القمة،لم يتوان عن التراجع عن مواقفه ليلجأ إلى معسكر اليمين.

فحتى قبل عام كان رامون وزيرا للقضاء،وكشفت صحيفة "هآرتس" عنه، انه يسعى إلى سن قوانين تشرعن، من وجهة نظر إسرائيلية احتلالية،أكثر من110 بؤر استيطانية منتشرة في الضفة الغربية كانت إسرائيل قد تعهدت مرارا بإزالتها، كذلك في الأيام الأخيرة كان على رأس المطالبين بقطع الكهرباء والمياه عن قطاع غزة.

وأكثر من ذلك، فهو الذي قال من على منصة الكنيست(البرلمان) مدافعا بشراسة عن القوانين العنصرية الإسرائيلية التي تهدف إلى الاحتفاظ بالغالبية اليهودية:"هناك في العالم عدة دول عنصرية، فلنكن واحدة منها".

أما النقطة الأخرى، فهي تتعلق بكيفية التعامل مع احصائيات ومصطلحات القاموس السياسي الذي تحاول إسرائيل بشكل دائم فرضه على الخطاب السياسي العالمي قبل الداخلي، فكل الإحصائيات والمصطلحات التي تتداولها إسرائيل ليست عفوية، بل وراءها سياسة موجهة، تسعى إلى إظهار الاحتلال وكأنه حقيقة واقعة لا رجعة عنها، مستندة إلى دعم أميركي أعمى وببغاوات دولية متواطئة، والى جهل مطبق لأطراف، من المفترض ان تكون في طرف الضحية، الشعب الفلسطيني.

فعلى سبيل المثال، تعلن إسرائيل بشكل دوري احصائيات عن مستوطنيها في الضفة الغربية وتسلخ عنهم بقصد مستوطني القدس المحتلة باعتبارها "مدينة إسرائيلية"، ونسمع ان عدد المستوطنين في الضفة هو280 ألفا، بينما هناك190 ألفا آخرين في القدس المحتلة، ولكن بذهول شديد نرى ان الإحصائيات الإسرائيلية بحذافيرها متداولة عربيا، أكثر من لغات أخرى.

كذلك هناك مصطلح زائف يتم تسويقه في وسائل الإعلام العربية، نسخا عن وكالات أنباء عالمية أشد تصهينا من الحركة الصهيونية ذاتها، وهو "المستوطنات العشوائية"، والمقصود البؤر الاستيطانية "الصغيرة"، وعددها110 منتشرة في جميع أنحاء الضفة الغربية، وهي ليست بعشوائية، بل قامت بقرار حكومي إسرائيلي تتنكر له الحكومة الإسرائيلية من اجل العلاقات العامة على الساحة الدولية، وهي بدأت تظهر بعد تعهد إسرائيل قبل 14 عاما بعدم إقامة مستوطنات جديدة في الضفة، فأطلقت العنان للمستوطنين بإقامة بؤر استيطانية "بمبادرات خاصة"، وفق مخطط جغرافي يُجهز تماما على التواصل بين المناطق المختلفة في الضفة.

وهذا غيض من فيض، قد يحتاج إلى معالجة بحد ذاتها، خاصة وان سياسة الأرقام والمصطلحات تهدف إلى زرع وعي مشوه في الرأي العام يتعامل مع الاحتلال وجرائمه، كتحصيل حاصل"مشروع".

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق