تضليل التاريخ: "الإرهاب الدولي" والحرب العالمية الرابعة

تم نشره في الخميس 27 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

إن النظرة المشوهة إلى الحاضر هي الوسيلة الأسوأ للاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل. وإن وصف الكفاح ضد الإرهاب الدولي بِـ"الحرب العالمية الرابعة"، كما فعل الأميركي نورمان بودهوريتز المنتمي إلى تيار المحافظين الجدد في كتابه الجديد لينم عن حماقة شديدة بكل المقاييس.

أولاً وقبل كل شيء، لابد وأن نتساءل متى كانت الحرب العالمية الثالثة؟ إن الحرب الباردة لم تبلغ قط من "السخونة" ما يجعلها تضاهي الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية. بطبيعة الحال، ربما كان المقصود من الإشارة إلى "الحرب العالمية" ترسيخ منطق "نحن" في مواجهة "هم"، إلا أن هذا لا ينسجم بأية حال مع طبيعة التحدي المفروض من جانب الإسلام "المتطرف"، نظراً لتعقيد وتعدد الطوائف والتقسيمات القائمة داخل العالم الإسلامي. والحقيقة أننا بعسكرة تفكيرنا نفرض على أنفسنا العجز عن التوصل إلى الإجابات الصحيحة، التي لابد وأن تسترشد بالسياسة بقدر استنادها إلى الفكر الأمني.

كما هي الحال دوماً، يشكل اختيار الكلمات أمراً على قدر عظيم من الأهمية، وذلك لأن الكلمات قد تتحول بكل سهولة إلى أسلحة ترتد إلى أعناق أولئك الذين يستخدمونها على النحو غير اللائق. ولقد رأينا كيف قاد القياس الخاطئ أميركا إلى الكارثة في العراق، التي لا تشترك في أي شيء مع ألمانيا أو اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية - وهو القياس الذي استخدمه بعض المسؤولين في إدارة بوش حين أرادوا البرهنة على أن الديمقراطية من الممكن أن تُغرَس في الأنظمة الديكتاتورية السابقة عن طريق الاحتلال.

مما لا شك فيه أن التهديد الإرهابي حقيقي ومستمر، كما أثبت المخطط الأخير المحبَط في ألمانيا. لقد أظهر لنا ذلك المخطط، الذي شارك فيه ألماني شاب تحول إلى الإسلام، أن الإرهابيين قادرون على تهديدنا من الخارج ومن الداخل. ويبدو أن الغرائز العدمية المدمرة التي اكتسبها بعض الشباب الألمان المنتمين إلى جيل "بادر/ماينهوف" من الإيديولوجية اليسارية المتطرفة في سبعينيات القرن العشرين، من الممكن أن تتحول إلى "تفسير رومانسي" لتنظيم القاعدة.

من المؤكد أننا يتعين علينا أن نحمي أنفسنا بأكثر السبل جدية وإصراراً ضد التهديد الذي قد يفرضه علينا الإرهاب، إذا ما تمكن المتطرفون على سبيل الافتراض من الحصول على أسلحة نووية أو بيولوجية. ولابد من الاستعانة بكل السبل الاستخباراتية، والدبلوماسية، والأمنية، فضلاً عن تثقيف الناس بشأن متطلبات الحياة تحت ظل شبح تهديد غير مرئي. بل لقد بات من المحتم علينا للأسف أن نطبق في حياتنا اليومية بعض الأساليب التي يتخذها الإسرائيليون لتأمين حياتهم.

إلا أن هذا لا يعني أننا لابد وأن نصيب أنفسنا حرفياً بهوس الإرهاب على حساب فقدان البصيرة والقدرة على إدراك التحديات التاريخية الأوسع نطاقاً. لم يكن اغتيال وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية في سراييفو في يوليو/تموز 1914 سبباً لاندلاع الحرب العالمية الأولى، بل كان مجرد ذريعة لها. من ينظر إلى الصورة الشاملة إذاً، لن يرى مجرد "مخطط فوضوي" لزعزعة استقرار الإمبراطورية، بل لابد وأن يدرك بروز النعرات القومية الساخطة التي اقترنت بغريزة انتحارية من جانب نظام متفسخ علاوة على الآلية المهلكة المتمثلة في منطق "التحالفات السرية".

كانت الصورة الشاملة آنذاك كالتالي: في ظل ثورة المواصلات وقدرة الجيوش الحاشدة على الانتشار، لم يعد في الإمكان النظر إلى الحرب باعتبارها استمراراً للسياسة عبر وسائل أخرى. بل لقد كان تحول الحرب إلى صناعة سبباً في النظر إليها باعتبارها "وسيلة عتيقة" من وجهة نظر عقلانية. ولو كانت الحرب العالمية الأولى قد انتهت إلى نتيجة أقل من هزيمة ألمانيا، والنمسا، والإمبراطورية العثمانية، لكانت قد أصبحت بمثابة انتحار لأوروبا.

أما الصورة الشاملة اليوم فهي تتلخص في إمكانية انتقال الزعامة العالمية من الغرب إلى آسيا. وردود الفعل الممسوسة بجنون الشك والاضطهاد من جانب المحافظين الجدد في أميركا ضد التهديد الإرهابي لن تؤدي إلا إلى التعجيل بتلك العملية، إن لم تجعل منها أمراً محتوماً، بسبب إهدارها لقيمنا الديمقراطية وبالتالي إضعاف "القوة الناعمة" لدى الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت مد القضية الإرهابية بالوقود اللازم لدفعها.

إن الإرهاب نتاج لنوع من الاندماج بين التطرف الديني، والنـزعة القومية المحبَطة، وما أطلق عليه دوستويفسكي "العدمية". ويتلخص التحدي الماثل أمامنا الآن في فهم الأسباب الأساسية التي أدت إلى تحريك هذه القوى، والتمييز بين هذه الأسباب. أو بعبارة أخرى، نحن نواجه تحدياً معقداً، يتطلب منا أن نحرص على عدم التسبب في تعزيز هذه الأقلية الإرهابية الضئيلة بقوى أعظم قد تلتحق بها.

إن أية إستراتيجية غربية متماسكة في مواجهة هذا التحدي لابد وأن تشتمل على عناصر رئيسية تتلخص في: إحلال الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما يعني بالضرورة تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ فضلاً عن العمل بجدية على دمج المسلمين في مجتمعاتنا استناداً إلى قيم العدالة الاجتماعية، وسعياً إلى بث رسالة إنسانية أشد وضوحاً. وإذا ما فقدنا بصيرتنا في سياق كفاحنا ضد الإرهاب والأسباب التي تحركه، فلسوف نعجز عن مواجهة التحدي الأبعد أمداً المتمثل في "عملاق الصين/الهند".

دومينيك مويزي مؤسس وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri) ويعمل حالياً أستاذاً بكلية أوروبا في ناتولين بمدينة وارسو.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق