جميل النمري

وداعا حيدر عبد الشافي

تم نشره في الأربعاء 26 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

عاش ما يكفي من الزمن لكي يغادر الدنيا لكنه لم يعش الزمن الطيب لكي يغادر بسلام، حياة كاملة من الكفاح تركها ولا شيء في الأفق يشير الى قرب انتهاء المعاناة.

نودع بقلوب مفعمة بالأسى شيخ المناضلين الفلسطينيين الدكتور حيدر عبد الشافي. لم يكن الرأي العام على نطاق واسع قد تعرف عليه حتى ظهر على شاشات التلفزة قائدا للوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد وفي مباحثات السلام، وحاز على الفور على احترام ومحبّة الناس.

بملامحه الطاعنة في التاريخ كان يلخص على نحو مهيب التاريخ المأساوي للشعب الفلسطيني لكنه مثّل ولأول مرّة وجها آخر للفلسطينيين غير الذي عودتنا عليه قيادات من المقاومة فيه كثير من الطيش والفهلوة والتظاهر والاستعراض. فعلى النقيض من ذلك كان رزينا هادئا جدّيا، تركت السنون حكمة بادية في تجاعيد وجهه وصلابة وكبرياء وحدّة تحت حاجبيه الكثيفين ونظرته العميقة.

كان جديرا بالاحترام بكل ما للكلمة من معنى، وهو كان كذلك طوال فترة قيادته للمفاوضات، لم يقبل الانزلاق الى "الاشتباك التفاوضي" حول التفاصيل قبل التفاهم على الأطر النهائية للحلّ، ولم يقبل تجاهل مرجعية منظمة التحرير التي كان يتعمّد وزملاؤه الاتصال بها يوميا وعلنا في تونس قبل ابلاغ أي موقف، لكن جماعة تونس هي التي غدرت بهم وتفاوضت من وراء ظهر الوفد الرسمي على حلّ انتقالي في اوسلو، بينما كان عبد الشافي ورفاقه يواصلون التصلب في رفض أي حلول جزئية في واشنطن، فعاد مخذولا الى غزّة وقد عارض لكنه لم يخاصم ولم يهاجم ويجرّح، وبقي فاعلا في الحياة العامّة الفلسطينية مناضلا من اجل إعادة توحيد الموقف الوطني وقد اصبحت أوسلو أمرا واقعا، وكانت آخر مبادراته مع مصطفى البرغوثي وآخرين تحت عنوان "المبادرة الوطنية الفلسطينية".

منحه الشعب الثقة في المجلس التشريعي الأول، لكنه انسحب اذ لم يُطق نمط الأداء السائد، كان قد بلغ من السنّ عتيا وبدأت قدرته الجسدية تتراخى عن تلبية طاقته الروحية، وكان من حظه أن يتجرع آخر المرارات بالانقسام الفلسطيني بين غزّة والضّفة، لكنه قطعا لم يفكر ابدا ان هذه نهاية المطاف؛ فمن عايش قرنا من عمر القضيّة بكل تقلباتها ما كان ليرى فيما حدث سوى كبوة عابرة في المسيرة الطويلة.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق