إبراهيم غرايبة

العولمة البديلة أو العالمية

تم نشره في الثلاثاء 25 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

تحولت فكرة العولمة البديلة أو العالمية إلى حركة اجتماعية عالمية قائمة على النقابات والشركات الوطنية والجماعات الثقافية، بعضها يعمل تحت عنوان"المنتدى الاجتماعي العالمي، وشعار"عالمنا ليس للبيع"،وقد ظهرت هذه الحركة في كثير من المناسبات مثل انعقاد منتدى دافوس أو منظمة التجارة العالمية أو قمة الدول الثمانيG8 حركة مهمة ومؤثرة،وفي كتاب العالم لنا عن الحركات الاجتماعية المناهضة للعولمة يعرض كريستوف أجيتون كثيرا من التجارب التي تمت في هذا المجال،ويمكن أن تكون نموذجا للحركات الاجتماعية في أنحاء العالم من أجل ترشيد العولمة الليبرالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

في الثمانينيات حققت الليبرالية انتصارا حين شهدت الحركات النقابية تراجعا في أميركا وأوروبا الغربية واليابان،فقد وقعت في هذه الفترة أزمة للتنظيمات العمالية،وشهدت بداية التسعينيات اختفاء الاتحاد السوفيتي وأنظمة الكتلة الشرقية حين كان هناك فرصة لعملية إعادة تنظيم العالم خاصة عند انهيار حائط برلين.

ولكن الحركات الاجتماعية استطاعت أن تعيد شمل نفسها وتواجه مؤسسات دولية كبرى على غرار منظمة التجارة العالمية ولو لفترة معينة،وامتلكت وزناً كافياً للتأثير على مجرى الأحداث في ظرف عالمي يتحد للسماح لظهور مجادلات سياسية كبرى في ثلاثة أقطاب: قطب راديكالي أممي معارض تحت غطاء الواقعية لتمرير الحركات تحت سلطة تلك المؤسسة، وقطب قومي يرى أن إطار الدول القومية هي الطريق الوحيد الممكن لضمان المكتسبات الاجتماعية، وقطب إصلاحي والأولوية التي يدافع عنها الإصلاح الشامل للمؤسسات الدولية.

ومن خصائص هذه المجموعات والحركات أنها تبتعد عن عالم الأحزاب السياسية التي تطمح إلى الإدارة الحكومية.

إن العولمة ظاهرة قديمة لم تبدأ بصعود الليبرالية الرأسمالية وانهيار الشيوعية والاتحاد السوفيتي ولا حتى بتطور تقنيات الاتصالات والمعلوماتية،ولكن حدثت تحولات اقتصادية كبرى في الحقبة الثاتشرية في بريطيانيا والريغانية في الولايات المتحدة الأميركية وتزامنت مع أحداث عالمية كبرى جعلت العولمة مصطلحا يعبر عن انتصار الليبرالية العالمية الاقتصادية، فلم يعد ممكنا لقوة عدا الولايات المتحدة الأميركية أن تدعي قدرتها على المنافسة في المجالات الرئيسية التي تضع قوة شاملة(المجال العسكري والمجال الاقتصادي والمجال التكنولوجي والمجال الثقافي).

فقد أصبح من الضروري تمرير كل القرارات الهامة على المستوى القومي عبر "توافق واشنطن"،وقد نشأت مواقع جديد للمؤسسات الدولية مثل "بريتون وودز" التي ارتبطت بموازين القوى التي تتعلق بإنشاء بنك مركزي عالمي يقوم بتأمين التعويضات والتسويات مع البنوك المركزية للدولة ويضمن ذلك كله آليات للإنذار والرقابة في حالة تجاوز الاعتماد، أما الولايات الأميركية فقد فرضت على "بريتون وودز" أن يتم إبطال الرقابة على سعر الصرف والسماح بتصدير رؤوس الاموال الأميركية، وأن تكون العملة المرجعية هي الدولار.

ولم يكن لصندوق النقد الدولي والغات من سلطة سوى في دائرة التأثير الغربية، والأمم المتحدة لم تحتفظ سوى بدائرة "منصة دولية تلجأ إليها بوجه خاص دول العالم الثالث"، ويستمر الوضع إلى أن تخلت الولايات المتحدة عن التكافؤ بين الذهب والدولار مما أدى إلى سلسلة من المضاربة على العملات وإنشاء الخمسة الكبار G5 ثم تحولت إلى G7 بعد انضمام إيطاليا وكندا ثم تحولت إلىG8 عام2001 بعد انضمام روسيا.

وقد يروق للولايات المتحدة اليوم أن تستمر في اتخاذ القرار وحدها بكامل السيادة في كل المسائل التي تتعلق بها والتي تخص باقي العالم، وذلك يعتمد على التصميم الاستراتيجي والذي يتجاوز العودة للحرب الباردة وعلى المبدأ الكلاسيكي "فرق تسد" والسعي لتفادي إقامة تحالف بين الحضارات الإسلامية والهندية والصينية الكونفوشيوسية لضمان هيمنة الحضارة الغربية، وبخاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

هذا التوجه المعروف باسم"توافق واشنطن" مطبق على العالم اجمع لتحديد العجز في الميزانية، وإعطاء الأولوية لخلق البنى التحتية مثل الصحة والتعليم وتشجيع الاستثمار الأجنبي وخصخصة الشركات التي تمتلكها الدولة والالتزام بالقواعد التي يفرضها صندوق النقد الدولي لدى إقامة التكيف الهيكلي.

ومن سمات هذه الحقبة أن اصبح "توافق واشنطن" محل جدل وانتقاد عشرات الملايين من المتظاهرين بالبلدان التي كانت ضحايا خطط التكيف الهيكلي،وهو ما جعل جوزيف سيغليتر الذي نال جائزة نوبل للاقتصاد في كتابه(الخدعة الكبرى) يدعو إلى تحجيم مهام صندوق النقد الدولي وإلغاء ديون الدول الفقيرة، وإصلاح المؤسسات الدولية، وكل الانتقادات والاقتراحات عززت الحركات المناهضة للعولمة الليبرالية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق