أيمن الصفدي

جريمة أخرى في بيروت

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

ها هو الدم يعود الى شوارع بيروت.

كان متوقعاً أن يعود. فقرار حرمان لبنان الأمن والاستقرار ما يزال قائماً. ولبنان بدا خلال الأيام الماضية وكأنه ينحو باتجاه تهدئة وهو يبحث عن توافق لانتخاب رئيس جديد. فكان لا بد من جريمة أخرى تعيد الاحتقان.

القاتل واحد. الذي فجر رفيق الحريري وغيّب سمير قصير وجبران تويني ووليد عيدو وبيار الجميل هو نفسه الذي اغتال النائب أنطون غانم الأربعاء. فهذا لا يريد للبنان أن يستعيد حريته وأمنه. مطلوب أن يظل لبنان ساحة، أن يبقى منطقة نفوذ تحارب فيها إيران وسورية معاركها وتطلق منها عنترياتها اللفظية على حساب الأمن اللبناني والدم اللبناني والسيادة اللبنانية.

جريمة لبنان أنه قال كفى للوصايا. طلب الاستقلال. أراد حرية قراره. وسعى لأن يكون بلداً آمنا لا ورقة توظف في خدمة كل شيء إلا مصالحه.

قوى 14 آذار، التي تشكلت قوة سياسية ردة فعل على اغتيال الحريري، صنعت ربيع الاستقلال ورفضت إلا أن يثمر استقلالاً كاملاً غير منقوص. لم يرد الاستقلاليون اللبنانيون العداء مع سورية. أرادوا علاقات الند بالند. أرادوا علاقة بين بلدين مستقلين بينهما تمثيل ديبلوماسي واعتراف متبادل وتعاون بحجم التاريخ المشترك ويخدم المستقبل المشترك.

وأصرت هذه القوى ان اسرائيل عدو لا سلام معه قبل عودة كل الأرض المحتلة وفي إطار اتفاق اقليمي طرفه الآخر سورية. لكنها أرادت أيضاً ما تتمتع به كل دول المنطقة وهو ان تكون ادارة الصراع في يد الدولة بعد أن دفع لبنان دماً وتضحيات يدعي غيره امجادها بينما حدوده آمنة لم تسمع فيها صوت طلقة على مدى عقود.

فـ"اللبنانيون"، والكلام لغانم الذي طاولته أيادي الغدر أول من أمس، "متفقون على العداء لإسرائيل وعلى صداقة سورية".

لكن هذا المنطق لا يعجب من اعتاد استباحة لبنان. فإما لبنان تابع مرتهن وإما لبنان مدمر تسوده الفوضى والقتل. لذلك عوقب لبنان حصاراً حينا وقتلاً أحياناً ومؤامرات لا تتوقف لنشر الفرقة بين شركاء الوطن وإبقاء البلد رهينةَ توتر يهدد بالانفجار في اي لحظة. لكنه لا ينفجر. فالمعادلة دقيقة. اللبنانيون بكل تلاوينهم يخشون دماراً شاملاً ويرتدعون عن الوقوع فيه. وقوى التأزيم الاقليمية لا تريد حرق كل أوراقها مرة واحدة.

في هذا السياق جاء اغتيال انطوان غانم رسالة الى قوى الاستقلال اللبنانية انها ستظل تدفع ثمن مواقفها. لكن الجريمة كانت أيضا خطوة نحو تنفيذ مخطط افقاد قوى 14 آذار أكثريتها في مجلس النواب.

فتغييب غانم قلص عدد نواب الأكثرية الى 68 في البرلمان المكون من 128 نائباً. وهذا يعني ان الاكثرية ستفقد أكثريتها بعد بضع حلقات جديدة في مسلسل القتل الذي يستهدف نوّابها.

وعند ذاك سترتفع دعوات اسقاط الحكومة. ستختلط الاوراق. وستعم الفوضى. سينقسم البلد. وستنتصر، وقتذاك، نظرية النظام السوري ان لبنان لن يستقر من دون وصايته!

شهدت الأسابيع الماضية ضغوطاً شعبية ودولية دفعت باتجاه التهدئة في لبنان الذي دخل مرحلة الاستحقاق الرئاسي. كانت هنالك خطوات جدية نحو الاتفاق على خلف توافقي للرئيس اميل لحود. لذلك حدثت الجريمة. فلبنان ممنوع من الخروج من الازمة. ذاك ان انتهاء ازمته ستعني بدء ازمة النظام السوري.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مسلسل جرائم لم ينتهي بعد (نهاد اسماعيل)

    الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2007.
    شكرا استاذ ايمن واتفق ان خلط الاوراق وتعميم الفوضى وخلق حالة من الارتباك في لبنان والهدف السريع هو تقويض المحكمة الدوليةوافشال عملية اختيار رئيس جمهورية غير موالي لدمشق. ولولا تواطؤ عناصر لبنانية في الداخل لما نجحت عمليات اغتيال الرموز المعارضة. أتوقع المزيد من القتل والتفجير مع اقتراب عقد المحكمة الدولية التي ستفضح المجرمين. وعلينا ان نتذكر ان مهزلة مخيم نهر البارد التي كان بطلهاشاكر العبسي هي حلقة من مسلسل الاجرام الذي يتم انتاجه في الخارج ويشرف على الاخراج والتنفيذ مأجورين في لبنان. ويعطيكم العافية.
  • »سوال (عمر)

    الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2007.
    لماذا لا يسال الكاتب نفسه هذا السؤال
    من هو الطرف الذي يستطيع اصطياد هذا الكم من النواب والمسؤولين الكبار ويرصد تحركاتهم بكل دقة رغم عمليات التمويه التي يقومون بها ؟