إبراهيم غرايبة

المخابرات وفن الحكم

تم نشره في الثلاثاء 18 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

يعرض كتاب "المخابرات وفن الحكم" من تأليف أنجيلو كودفيلا (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2006) مبادئ وطبيعة عمل المخابرات، باعتبارها أحد فنون الحكم القائمة على معرفة الأصدقاء والأعداء، ويقارن ما أدته المخابرات الأميركية بخاصة من مهام، وما قد تقوم به في المستقبل، ويقارن ذلك بالمعايير الثابتة لهذا الفن، وبالظروف المتعلقة بالزمان والمكان، ويعرض تصورا للمخابرات في الأنظمة الديمقراطية في نهاية القرن العشرين، ويقدم أسسا جديدة لإعادة بناء المخابرات وفق التحولات الكبرى الجارية في العالم، ومنها بطبيعة الحال الحكم والإدارة.

الاستخبار أداة تجمع عدة متناقضات، ففيه الألفاظ والأرقام والصور، والتقديرات والإيماءات والتحريض، وفيه الحقائق التي قد تهدي وقد تضل، وفيه أيضا الأكاذيب الصريحة، ولأنه أداة غير مادية فهو لا يجرح، ولكنه يتسبب في إهلاك الملايين أو إنقاذ حياتهم، والاستخبار فن مارسه الأخيار والأشرار، والطغاة والديمقراطيون، والبدائيون والمتقدمون، ولكنه في جميع الأحوال فن واحد.

وتتكون العمليات الاستخبارية من أربع  مكونات أساسية: جمع المعلومات، والاستخبار المضاد، والتحليل، والتحرك المستتر.

إن المعلومة الجيدة والضرورية قد تكون من مصدر متاح أو تجسسي خاص، وقد تسفر الدراسات والمعلومات الدقيقة عن الاقتصاد والمؤسسات العامة عن كنز ثمين لأهل البصيرة والقدرة على التحليل، وربما لو أخذ نابليون وهتلر بالاعتبار معلومات الطقس والمناخ لأمكنهما تجنب هزيمة قاسية في روسيا.

وقد تكون كثرة المعلومات سببا في التشويش والتضليل، فوكالة الأمن الوطني في الولايات المتحدة الأميركية تلتقط كل يوم آلافا لا تعد ولا تحصى من المحادثات في أغلب بقاع العالم، وبخاصة في أوقات الأزمات، فيجد صناع القرار أنفسهم أمام حشد من المعلومات لا تقدم نتائج وتحليلات يمكن الاعتماد عليها، ويصبح الهدف مثل إبرة في كومة من القش.

وقد كانت الثورة الإسلامية في إيران مفاجأة للأميركيين ربما بسبب العجز عن إدراك الدور الذي يلعبه الدين في الحياة والسياسة والتحريض، وقد توقعت مخابرات العالم أن يأمر شاه إيران في عام 1978 بإطلاق النار على المتظاهرين بسبب عجزها عن تحليل نفسيته وطريقة تفكيره، وعدم متابعتها وتحليلها للحوارات الشفوية للشاه برغم التنصت عليها، وكذلك الأمر في عام 1989 عندما وقعت الأحداث الثورية في الكتلة الشيوعية، ولم تكن المخابرات الأمريكية تنقصها المعلومات عن خطط حكومة فيتنام الشمالية عام 1968 ولكنها أخطأت في تحليل المعلومات وفي استخلاص تقدير مستقبلي.

وكان لدى كل من هتلر من جهة وتشرشل وديغول من جهة أخرى المعلومات نفسها حول الولايات المتحدة الأميركية، كان هتلر يستخف بها، وأعلن عليها الحرب بلا مبرر، ولكن تشرشل وديغول كانا يدركان أنها أهم قوة اقتصادية في العالم وأنها ستحسم نتيجة الحرب.

وفي الوقت الذي تسعى مخابرات حكومة ما لجمع المعلومات وتحليلها حول دولة أخرى، فإن هذه الدولة تجهد في التجسس المضاد، واختراق عملياتها، وتضليل تحليلاتها، ومن ثم لا تستطيع حكومة أن تثق بما تحصل عليه من معلومات وتحليلات استخبارية، ومن ثم إفشال مخططاتها، وتغذيتها بمعلومات مضللة، وفي جميع الأحوال يجب ملاحظة أن أفضل وأقسى أنواع المخابرات لم تستطع أن تحمي أنظمتها السياسية في ألمانيا الشرقية ورومانيا.

إن أساس نظرية المعرفة في الفلسفة هو التساؤل البديهي "كيف تأتت لي هذه المعرفة؟ وكيف أثر أسلوب معرفتي على رأيي فيها؟" وهذا ما يسمى في المخابرات "أمن العمليات"وهي مبادئ قديمة وشائعة. وقد لاحظت المخابرات الألمانية في الحرب العالمية الثانية أن أحد العملاء في بريطانيا يميل إلى الإبلاغ عن الأمور التي يتوقع أن الألمان يريدون سماعها، فطلبوا منه التحري عن مصنع وهمي، وعندما قدم معلومات عن هذا المصنع ضاعت مصداقيته، وقد أدار الحلفاء عملياتهم وهم يدركون أن الألمان يراقبونهم، ولكنهم برغم ذلك استطاعوا خداع الألمان وتضليلهم تقديرا منهم أن العملاء سينقلون هذه المعلومات المضللة.

وفي عام 1952 صاغت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مصطلح "التحرك المستتر" في دلالة على التحرك باتجاه التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وبالطبع فإنه أسلوب قديم يسبق اكتشاف القارة الأمريكية عام 1492 بمئات السنين.

ويسرد فيرنون والترز في كتاب نشر له عام 1978 وهو جنرال في الجيش الأميركي عمل فيما بعد سفيرا تفاصيل مهمات "صامتة" كلفه بها خمسة رؤساء للولايات المتحدة، وبعضها كان يتسم بالحكمة وبعضها الآخر كانت مهمات حمقاء، وبعضها فشل، وبعضها نجح، وهي مهمات من قبيل التهديد والإغراء والاستدراج وتوصيل المال وعقد الصفقات، وذلك بهدف التأثير على سياسات الدول ومواقفها، وتدبير المؤامرات.

نجحت المخابرات الأميركية في جمع قدر كبير من المعلومات من مختلف المصادر، التجسس التقني، واللاجئين والهاربين، والدبلوماسيين الأميركيين، والصحافة العالمية، والمخابرات العسكرية، والحكومات الأجنبية الصديقة وغير الصديقة، ولا يكمن العيب في قصور المعلومات، ويشغل في كثير من الدول رجال متمرسون رئاسة محطة المخابرات، ويكون رئيس المحطة شخصية عامة تحظى بالاحترام والعلاقات لدرجة تثير أحيانا حسد السفير الأميركي، وقد شغل ثلاثة من رؤساء المحطات منصب مدير المخابرات المركزية.

ولكن المخابرات الأميريية واجهت حالات كثيرة من الفشل والقصور في التحليل، والعمل التقني، والتغطية البشرية الملائمة، والمشكلات القانونية والأمنية والسياسية بسب هاجس التجسس المضاد، وقد فتح ذلك المجال لنجاحات سوفيتية في تحقيق اختراقات معلوماتية أو الحصول على تقنيات محظورة.

ولم تعد وكالة المخابرات الأميركية قادرة على الوفاء بتحولات التسعينات وما بعدها، فقد أصبحت جميع مصادرها وأدواتها معروفة، وفتحت المجالات للاختراق أمام الأجهزة الاستخبارية الأخرى، وهي اليوم بنظر المؤلف بالطبع بحاجة إلى إعادة بناء.

وقد خلفت أحداث عام 1989 وانهيار الاتحاد السوفيتي فوضى عارمة، وقد انتشرت بقايا وفلول المخابرات الشيوعية في جميع أنحاء العالم، ويبدو من الصعب اليوم تمييز عملاء الاستخبارات من بين جموع المهاجرين من الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية.

وتصلح حرب الخليج الثانية (1990 – 1991) نموذجا لملاحظة القصور في المخابرات الأميركية، فقد كان الاستخبار على المستوى التكتيكي ممتازا، ولكنه على المستوى القومي أو الاستراتيجي لم يكن مرضيا.

فعلى الرغم من قيام الأقمار الصناعية بتغطية يومية لتحركات الجيش العراقي في الفترة التي سبقت غزو الكويت فإنها لم تتمكن من توفير الحقائق الكافية للتغلب على التوقعات التحليلية التي أدت إلى تقديرات خاطئة للنوايا العراقية، وقد أجمع المحللون الأميركيون باستثناء واحد فقط على أن تلك الحشود لن تقدم على غزو الكويت، وخاضت الولايات المتحدة الحرب كلها دون علم من المصادر البشرية بأساليب عمل النظام العراقي ونواياه الإستراتيجية أو تحالفاته. وزعم البعض صادقين أن الاتحاد السوفيتي كان في صف العراق، ولم يعلم أحد لماذا رفض صدام حسين عرضا يضمن له النصر، ولم يكن لدى المخابرات الأميركية سوى عشرين موظفا يتحدثون العربية، ولم يكن من بينهم أحد يرحب بالعمل المستتر في العالم العربي، وبالطبع فقد انتصرت الولايات المتحدة، إذ كانت الحرب ضد خضم لا يجيد اقتناص النصر.

 

لا يقتضي الاستخبار الجيد من الحكومة أن تنشر جواسيس أو مقيمين في أنحاء العالم، وأن تنفق نسبة كبيرة من دخلها القومي على الأجهزة التقنية، ولكن عليها أن تعي الدروس المستفادة من تجارب النجاح والفشل، وعليها أن تبذل الجهد لتطبيق تلك الدروس بوسائلها المحدودة وهي تتعامل مع المواقف التي تتعرض لها، وأن توظف لذلك الأشخاص المناسبين.

إن فن جمع المعلومات هو فن الممكن، شأنه في ذلك شأن السياسة، ويقتضي ذلك الفن رفض الأفكار المسبقة، واستخدام السبل المتيسرة.

وتعد الصحف والمجلات المتخصصة مصادر قيمة عن الأحداث وأولويات القادة، وما من أمة يمكن أن تغلق نفسها تمام الإغلاق حتى في زمن الحرب، هذا بالإضافة إلى المصادر البشرية والتقنية، ولكن يجب الإجابة على سؤال محدد لتنظيم عمليات جمع المعلومات وتحليلها، ما الذي تريده حكومة ما من معلومات ولماذا تريدها؟ وربما يلزم قدر من الخيال لتحليل المعلومة وتقديرها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق