الغائب في الإحصائيات الإسرائيلية

تم نشره في الاثنين 17 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

صدرت، في الأيام الأخيرة، في إسرائيل، ثلاثة تقارير رسمية تعنى بتعداد السكان وأوضاعهم الاجتماعية، لتكشف من جديد تشبث السياسة الإسرائيلية بالاحتلال وبسياسة التمييز العنصري المنتهجة ضد فلسطينيي 48 منذ 60 عاما.

ففي الأسبوع الماضي، أصدرت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية تقريرها السنوي لعدد سكان إسرائيل، بمناسبة رأس السنة العبرية، وتطغى على الإحصائيات الأساسية في هذا التقرير سياسة التشبث بالاحتلال، إذ أن التعداد السكاني يعتبر حوالي 235 ألف فلسطيني في مدينة القدس المحتلة وقرابة 18 ألف سوري في هضبة الجولان السورية المحتلة وكأنهم مواطنو إسرائيل، وهذا بفعل قانون الضم الاحتلالي لهاتين المنطقتين.

وهذا العدد من الفلسطينيين والسوريين يغير الكثير من النسب المئوية، فمثلا بموجبه تصبح نسبة العرب في إسرائيل من مجمل المواطنين 20%، بينما نسبة فلسطينيي 48 من مجمل المواطنين في إسرائيل هو 16,8%، وللأسف الشديد فإن الكثير من الجهات الفلسطينية والعربية ووسائل الإعلام تتعامل مع نسب دائرة الإحصاء المركزية كما هي، دون الانتباه إلى هذه الحقيقة، لأن في ذلك نوعا من الاعتراف الضمني، وطبعا من دون قصد، بالاحتلال الإسرائيلي في القدس وهضبة الجولان السورية كسلطة سيادية.

أما التقريران الآخران فهما يتعلقان بنسب البطالة والفقر في إسرائيل، ويؤكدان من جديد على استفحال هاتين الظاهرتين بين فلسطينيي 48 وتراجعهما بين اليهود، ولا يخفي ساسة إسرائيل "ارتياحهم" لهذه النتائج.

فبالنسبة لمؤشر البطالة، فقد أشار التقرير الرسمي الصادر عن دائرة التشغيل الى أن نسبة البطالة العامة في الشهر الماضي، هي 7,7%، ولكن هذه النسبة ليست متساوية بين جميع الفئات، بل هي ضعف ذلك تقريبا بين فلسطينيي 48 بينما بين اليهود هي في حدود 5,5%.

فالتقرير نفسه يقول إن هناك 34 بلدة في إسرائيل منكوبة بالبطالة، أي أن نسبة البطالة فيها من 9% وما فوق، ويتضح أن 32 بلدة من هذه البلدات هي فلسطينية، مقابل بلدتين يهوديتين فيهما نسبة البطالة ما بين 9% إلى 10%.

بينما معدل البطالة في البلدات الفلسطينية الـ 32 يتراوح ما بين 13% إلى 14%، وفي حساب آخر فإن هذه النسبة كان عليها ان ترتفع أكثر، لو أن نسبة النساء العربيات العاملات ترتفع إلى نفس نسبة النساء اليهوديات العاملات، (29% بين العربيات مقابل 52% بين اليهوديات).

وعدم انخراط النساء العربيات في سوق العمل ناجم أيضا عن قلة فرص العمل في البلدات العربية، نتيجة سياسة التمييز العنصري، فحين نتحدث عن أن نسبة فلسطينيي 16,8% من مجمل السكان، فإنهم يشكلون ما بين 11% إلى 12% من القوى العاملة في إسرائيل.

كذلك فإنه من الجوانب الخطيرة في هذا التقرير، هو ارتفاع نسبة ما يسمى بـ "العاطلين عن العمل المزمنين"، وفق المقاييس الإسرائيلية، وهو كل عاطل عن العمل لمدة تزيد على 10 أشهر، إذ تبين أن نسبتهم 40% من مجمل العاطلين عن العمل، ويظهر أن 30% من هؤلاء العاطلين عن العمل المزمنين هم من العرب.

وعلى الرغم من هذه المعطيات فإن قادة إسرائيل، بدءا من رئيس الحكومة وحتى آخر وزير ومسؤول يصرحون لوسائل الإعلام الإسرائيلي بابتهاج عن "تراجع" نسب البطالة، لأن العرب ليسوا في حساباتهم أصلا.

والحال نفسه، ولربما بدرجة أخطر، نجده في تقرير الفقر السنوي الرسمي، الصادر أيضا في الأسبوع الماضي، وهنا "البهجة الإسرائيلية" كانت أشد، بعد أن أعلنت مؤسسة الضمان الاجتماعي الرسمية عن تراجع طفيف جدا في نسبة الفقراء عامة، الذين بلغ عددهم في إسرائيل في العام الماضي 2006، حوالي 1,65 مليون فقير.

ولكن في التفاصيل تظهر جريمة إنسانية أكبر، ففي الوقت الذي يعبر فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، ووزير الرفاه في حكومته، يتسحاق هيرتسوغ، عن ارتياحهما للجم نسب الفقر، يتضح أنه لم يتم لجمها، وإنما تراجعت بشكل ملحوظ بين اليهود وارتفعت بنسب واضحة بين فلسطينيي 48.

ولنجعل الإحصائيات الإسرائيلية بالذات، تتحدث وحدها وتكشف هذا المشهد السوداوي، ففي حين أن نسبة الفقر العامة في إسرائيل هي 24,5%، فإن نسبة الفقر بين فلسطينيي 48 تصل إلى 50%، في حين أن نسبة العائلات الفلسطينية من مجمل العائلات في إسرائيل هي 14%، إلا أنها تشكل 45% من مجمل العائلات الفقيرة في إسرائيل، وهذا بارتفاع 2% عن العام 2005، كذلك وفي حين أن نسبة الفقر العامة بين العائلات في إسرائيل هي في حدود 20%، فإن نسبتها بين العائلات فلسطينيي 48 حوالي 52%.

والجريمة تظهر أيضا في معطيات الفقر بين الأطفال، الذين نسبة الفقر العامة بينهم هي 35% ومن يرفع هذه النسبة هم أطفال فلسطينيي 48، الذين نسبة الفقر فيما بينهم تصل إلى 63%، بعد أن كانت 60% في العام 2005، أي بارتفاع 5%، وعلى الرغم من أن نسبة أطفال فلسطينيي 48 من مجمل الأطفال في إسرائيل هي 24%، إلا أن نسبتهم من بين مجمل الأطفال الفقراء 50%.

من هذا المشهد الذي أمامنا نخرج باستنتاج غير قابل للتأويل، وهو أن فلسطينيي 48 حاضرون في الإحصائيات الإسرائيلية بأسوأ نتائجها، ولكنهم غائبون عن اعتبارات واهتمامات السياسة الإسرائيلية، فبالنسبة لهم طالما ان الفقر والبطالة تراجعا بين اليهود، فهذا المهم ولا أكثر، وهذا يعيد للأذهان المقولة الصهيونية الشهيرة التي رددها كبار الصهاينة من أمثال بن غريون وغولدا مئير، "ومفادها" أنهم يريدون لفلسطينيي 48 ان يكونوا "حطابين وسقاة ماء".

فالسبب الأساسي للأوضاع الاجتماعية الصعبة التي يعيشها فلسطينيو 48 هو نتيجة حتمية ومباشرة لسياسة التمييز العنصري، التي تضرب نواحي الحياة كافة، بدءا من الجنين في رحم أمه، من حيث العناية، مرورا بولادته وظروف نشأته وتعليمه في المستويات المدرسية والجامعية كافة، وخروجه إلى سوق العمل، وحتى في لحده، أمام أزمة قلة أراضي المدافن في البلدات العربية.

من مآسي أوضاع فلسطينيي 48، أن قضيتهم غائبة عن الهيئات الدولية، فأساليب التمييز التي يعاني منها فلسطينيو 48 لا تشهد لها مثيلا في عالمنا هذا، ولربما لو ان أنظمة عنصرية سابقة مثل نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا ما يزال قائما، "لاستفادت" الكثير من كتاب القوانين الإسرائيلي الذي ينضح بقوانين عنصرية "نموذجية" ضد العرب.

كان من الممكن ان تكون هذه المعطيات أكثر قساوة، لولا تحدي فلسطينيي 48 لواقع الحياة المر الذي يعيشونه، ويتحدون سياسة التمييز العنصري بالأساليب النضالية المعروفة، ولكنهم أيضا في حياتهم العامة، على مستوى الفرد والعائلة، وهذا بدافع الاصرار على التحدي، والتشبث بالأرض والوطن، لأن المعركة الأساسية لفلسطينيي 48 أمام المؤسسة الإسرائيلية هي معركة الصمود والبقاء في الوطن... البقاء في الوطن.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق