أيمن الصفدي

التحول الناقص

تم نشره في الخميس 13 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

لا يوجد نظام اقتصادي كامل. الرأسمالية أنتجت اختلالات همّشت فئات مجتمعية وخلقت فروقات طبقية أنهكت المجتمعات. والشيوعية قتلت الابداع وفتحت الأبواب واسعةً أمام الفساد. للاشتراكية حسناتها وسيئاتها أيضاً. والنظم الاقتصادية القائمة على مبدأ الرعاية الاجتماعية كتلك المتبعة في الدول الاسكندنافية تتعرض لضغوط مالية متنامية واحتاجت لضمان ديمومتها بنيةً مؤسساتيةً فاعلةً تخطط وتفكر وتراقب.

بيد أن نسبة النجاح التي يحققها أي نظام اقتصادي تعتمد على وجود البيئة التي تسمح باحترام كل شروطه. وجود اختلالات في البيئة التشريعية أو الممارسات الفعلية التي تشكل ركائز أي نظام اقتصادي تعظم من السلبيات وتقلل من الايجابيات لهذا النظام.

النظام الاقتصادي الأردني مرتبك. هو تارة رعوي وطوراً رأسمالي. وتعرض هذا النظام لهزات جمة جراء اخضاعه لتغييرات جذرية لم تسبقها خطوات تهيئ السوق لاستقبالها. ورغم النجاحات التي حققها الاقتصاد لناحية نسب النمو وجذب الاستثمارات، رافقت التغيرات الجذرية التي فرضت على آليات ادارة الاقتصاد الوطني سلبيات حققت ثراءً فاحشاً لبعضٍ ومعاناة عميقة للأكثرية.

تحرير الاقتصاد يتطلب ازالة تشوهات قاتلة مثل الاحتكار وسوء توزيع الثروة الوطنية وعدم تأهيل القوى العاملة للمنافسة وغياب الشفافية في الادارة المالية والاقتصادية. وتلك تشوهات كانت الخطوات التي اتخذها البلد لمعالجتها قاصرة وبالتالي لم يستعد البلد جيداً للتحول السريع نحو منح قوى السوق السيادة على العملية الاقتصادية.

أخطأ الليبراليون الاقتصاديون حين اعتمدوا منهجية الصدمة في تحرير الاقتصاد من التدخل الحكومي. قلل هؤلاء من حجم تبعات ذلك على مستوى معيشة المواطنين. ولم يتريثوا ليدرسوا قدرة المجتمع على التعايش مع بيئة يتراجع فيها دور القطاع العام لصالح القطاع الخاص الذي لم ينضج لجهة فهمه مسؤوليته الاجتماعية نحو مجتمع هو مصدر ربحه وشرط ديمومته.

تطورت الدول الغربية تدريجياً نحو الاقتصاد الحر ضمن سياق اقتصادي وسياسي وثقافي. ومرّت هذه المجتمعات في مراحل تَأقْلُم، مثل الثورة الصناعية، اعادت تشكيل قوى الانتاج وضمنت بروز منظمات مدنية تحمي حقوق الناس من تغول رأس المال.

وبالتوازي مع ذلك، طورت المجتمعات "الرأسمالية" العريقة ثقافة مجتمعية فرضت على القطاع الخاص تحمل مسؤوليات تجاه المجتمع. وأنتجت أيضاً آليات رقابة مجتمعية على الأداء العام. في هذه الدول لا تكاد تخلو هيكلة أي شركة كبيرة من وقف اجتماعي أو علمي أو فكري أو خيري. تمول هذه الأوقاف الابحاث وتنشئ الجامعات وتساعد المبدعين. وفي هذه المجتمعات أيضاً منظمات تراقب ممارسات التجار وتتابع أداء الشركات وتراقب أيضاً أداء المؤسسات الرسمية وتخضعها لضغوطات تجبرها على استدراك أي قصور في أدائها.

صحيح أن الحكومات في هذه المجتمعات لا تشكل طرفاً في العملية الانتاجية. لكنها تنفذ القانون. وتضمن ان الأثرياء يقومون بواجبهم تجاه المجتمع. في الغرب التهرب من الضريبة جريمة قل أن ينفذ مجرم من عقابها. في بلادنا التهرب من دفع الضرائب جريمة نادراً أن يعاقب عليها أحد. نسبة التحصيل الضريبي في المملكة بين الأدنى في العالم. هذا يعني أن الأثرياء يزيدون ثراءً من دون تسديد ديونهم للمجتمع الذي يحميهم ويوفر لهم البنى التحتية ويحقق نجاحهم. وفي بلادنا لا وجود لأوقاف مجتمعية تضخ جزءاً من أرباح الكبار نحو تحسين شروط حياة المحتاجين. لا وجود لمجتمع مدني فاعل وقادر على حماية حقوق الناس وحقوق البلد. ولا وجود أيضاً لبنية مؤسساتية قوية تضمن احترام الادارة العامة القانون.

لا عجب إذن أن يدفع الناس غالياً ثمن التغيرات غير المدروسة التي شوهت البيئة الاقتصادية. ذاك ثمن التسرع في عملية تحول اقتصادية كان يجب أن تنضج بكل متطلباتها. وذاك ثمن ضروري أن يقلل من خلال عملية اعادة تقويم تشخص الخطأ وتعترف به وتصححه.

التعليق