إبراهيم غرايبة

الحرب وخريطة العالم القائمة

تم نشره في الثلاثاء 11 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

نعلم ونلاحظ ببساطة أن الخريطة السياسية والسكانية القائمة في العالم اليوم شكلتها الحروب، القارة الأميركية وأستراليا على سبيل المثال، من هو الأميركي أو الأسترالي أو الكندي أو البرازيلي؟ وكان موطن الأتراك التاريخي ومايزال في آسيا الوسطى (تركمستان وتركستان وأوزبكستان وأذربيجان) وقد بدأ الأتراك يزحفون غربا في أوائل القرن الرابع عشر حتى اكتملت لهم السيطرة على الدولة البيزنطية واحتلال عاصمتها القسطنطينية (استمبول) في منتصف القرن الخامس عشر، فما معنى تركي وتركيا اليوم؟ وما معنى بيزنطة وبيزنطي؟ وقد عاد (أو أعيد) اليهود إلى فلسطين بعد إخراجهم (بالمناسبة من الذي أخرجهم من فلسطين؟) منها بألفي سنة، ولكن ما هي فلسطين وإسرائيل؟ فالخريطة القائمة اليوم تعبيرا عن فلسطين وإسرائيل ليست في الحقيقة فلسطين ولا إسرائيل، فقد تشكلت هذه الخريطة لفلسطين على هذا النحو فقط عام 1917 وكان جزء كبير من شمال (فلسطين) قبل ذلك يعتبر جزءا من لبنان، بل وكانت عكا مركزا لولاية لبنان في أيام الدولة العثمانية لعشرات السنين، وكانت الجولان والحوران تعد من الأردن، وفي مؤتمر أم قيس عام 1920 طالب المؤتمرون من المندوبين البريطانيين في المؤتمر أن تضم الجولان والحوران إلى الأردن، وحضر المؤتمر أيضا ممثلون من مدينة صور باعتبارها جزءا من الأردن، وفي كتب الرحالة في أواخر القرن التاسع عشر كانوا يعتبرون مدينة صور جزءا من الأردن، ولكن هذا التقسيم الذي جرى للبلاد كان ابتداء لاعتبارات إستراتيجية أرادتها بريطانيا، فمدت فلسطين على ساحل المتوسط لتكون إسرائيل قاعدة عسكرية بحرية، واحتجت فرنسا على ضم أجزاء من لبنان إلى فلسطين لأن ذلك اعتداء على القسمة المتفق عليها بين الدولتين لغنائم الحرب (كنا من غنائم الحرب) فأضيف إلى حصة فرنسا الجولان وحوران، وهكذا صار الشقيري فلسطينيا ورئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وربما لو أصرت فرنسا على بقاء الخريطة كما هي في التقسيمات التاريخية الجغرافية لكان الشقيري لبنانيا وربما كان أحد قادة النضال اللبناني، وصار فاروق الشرع والزعبي سوريين، وكان من الممكن ببساطة أن يكونا مهندسين في سلطة المياه الأردنية، وكانت العقبة جزءا من الحجاز، ولكنها اليوم تعني بالنسبة لنا رمزا أردنيا مختلفا عن جارتها مدينة الوجه أو مدينة ينبع، وصار السيد عبد الكريم الكباريتي نائبا ورئيسا لوزراء الأردن، وربما لو لم تضم العقبة إلى شرق الأردن في أوائل العشرينات لكان الكباريتي شريكا للراجحي أو رئيسا لمجلس إدارة بنك الرياض.

والحروب تؤدي دائما إلى تزايد الوفيات بين المقاتلين وغيرهم، ويوجد في كل حرب في النهاية غالب ومغلوب، ويتعرض المهزوم عادة لخسائر غير مباشرة في السكان والموارد والمجاعات والطرد والنهب وأحيانا في تعرضه للسخرة والاستعباد.

وقد كانت خسائر الجيوش الفرنسية في السنوات 1792 – 1815 حوالي مليون نسمة، وقتلت جيوش يوليوس قيصر حوالي ثلاثة ملايين إنسان، وقضى التتار والمغول على 25 مليون إنسان، وقتل في الحروب التركية الروسية ربع مليون إنسان، وقتل في الربع الأول من القرن التاسع عشر في مجموعة من الحملات والحروب حول العالم حوالي مليونين ونصف المليون، وقتل في أوروبا في القرن التاسع عشر خمسة عشر مليونا، وقتل في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) حوالي 25 مليون إنسان.

وحظي القرن العشرون بأكبر عدد من قتلى الحروب في تاريخ البشرية، وقد كانت بعض الحروب في العصور القديمة تقضي على جميع الذكور تقريبا لدى القبائل والجماعات المهزومة.

ولكن نتائج الحرب الأخرى كانت أكثر عمقا وراديكالية، فقد كان ينخفض عدد السكان لأن البنية الاجتماعية تصاب باختلال كبير، ويمتد الضرر والتغيير إلى البنى السياسية والأمنية والإنتاج والنقل والتجارة، ويحدث بسبب تركز الوفيات بين الشباب الذكور خلل بين الرجال والنساء.

ولكن مفكرين وعلماء يرون في الحرب تخليدا للجنس البشري وسببا في الاصطفاء والتطوير، فهي على نحو ما تؤدي وظيفة بيولوجية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تشكرات (محارب)

    الثلاثاء 11 أيلول / سبتمبر 2007.
    ما تزال غرايبة مبدع.انعم عملت الحروب على نتائج مختلفة، ليست غالبا بصالح المغلوب، ولكن حظ بعض المغلوبين كان وافرا،ترى هل يمكن أن ينال بعض المغلوبين حقوقا بقد معاناتهم؟ أم أن الأمور فاتت ولا سبيل لإصلاحها