إبراهيم غرايبة

إنها الحرب

تم نشره في الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

كيف يكون البحر المتوسط بعيدا عنا في الأردن خمسين كيلومترا ولكنه في الحقيقة بعيد جدا ولا يمكن الوصول إليه، وكيف يكون نهر الأردن الذي نشأت حوله الدولة الحديثة لا يمثل شيئا للأردن،وكيف يكون جبل  الشيخ المجاور لنا أبعد من جبال الألب؟

إنها الحرب، الظاهرة الاجتماعية الأشد تأثيرا في مسار التاريخ وصنعه، لأن التاريخ برأي غاستون بوتول مؤلف كتاب "ظاهرة الحرب" والذي صدر أخيرا بدأ بكونه حصرا تاريخ النزاعات المسلحة،وأن الحروب هي التي أطلقت حضارات وأنهت أخرى.

فالحرب هي التي تفرض دائما على البشرية ولفترة طويلة نمطا اجتماعيا، وتلعب دورا مهما في التحولات الاجتماعية والاقتصادية أيضا، وهي الأكثر فاعلية في الاتصال بين الشعوب والحضارات،ونشوء أنماط جديدة من الفنون والثقافة والموارد، فلولا الحرب العالمية الأولى لما عرفنا الحضارة الغربية ومؤسساتها وأنماط التعليم والنهضة والحياة فيها، ولما عرفنا الرز وبقينا نأكل البرغل والفريكة، ربما كنا تقدمنا علميا واقتصاديا واجتماعيا بدون هذه الحرب ولكن نمط حياتنا القائم اليوم لن يكون هو، وهذا بالطبع ليس مديحا للحرب والاستعمار ولا ذما أيضا.

وتشكل الحرب أيضا عاملا رئيسا في التقليد بين الأمم والدول والحضارات لأن الميل التقليدي عند معظم الأمم باستثناء التجارية منها مثل الفينيقيين واليونان يتجه إلى الانطواء على الذات، والتمييز العنصري، والاكتفاء بالموارد الذاتية، فقد جعلت الحرب أكثر الدول انغلاقا مثل أفغانستان والصين واليابان هي الأكثر انفتاحا على التجارة والثقافات والعلاقات الدولية، وحطمت عزلتها التاريخية، وللحرب تأثير على اللباس والتعليم والطعام، ويمكن ملاحظة أثر الدول المنتصرة على اللباس العسكري للجيوش، فقد ظلت البزات العسكرية لنابليون هي المعتمدة لدى معظم جيوش العالم، حتى حلت مكانها البزات العسكرية الأميركية والسوفيتية.

وتلعب الحرب الدور نفسه في التقنية، فقد تعلم الرومان الملاحة وبناء المنشآت البحرية من الفينيقيين لأجل محاربتهم، واعتمد هنود أميركا تربية الخيول بعد الغزو الأوروبي، ونرى اليوم الشعوب ترزح تحت وطأة التسابق على التسلح ووسائل التدمير،تنقلها الأمم عن بعضها بلا تردد، ودون اعتبار للحس التقليدي لدى الشعوب بالكبرياء الوطنية.

لقد كان الاعتقاد السائد لدى كثير من علماء الاجتماع مثل مونتسكيون أن السلم هو قانون الطبيعة الأول، ولكن دراسات إثنوغرافية تعنى بخصائص الشعوب تظهر أن الوضع الأصلي للبشرية هو الحرب، فتاريخ القبائل البدائية يظهر حالات نادرة لم تجر فيه بينها الحروب، ويتفق معظم علماء الإثنولوجيا على أن العلاقات بين الجماعات البدائية كانت تغلب عليها الحروب.

يقول الفيلسوف "تان" إن الإنسان غول مفترس، وبالطبع فإنه وصف مبالغ فيه،ولكن التاريخ العام للإنسان بأنه كائن يقتات اللحم، ويستخدم السلاح، وكانت أول أداة صنعها هي السلاح، وكان مشغولا دائما بتطوير عمليات الغزو والصيد، من السيوف والخناجر والرماح والسهام، ثم البارود الذي غير مسار الحياة والصراع.

وكانت تقنيات الحروب والصراع هي الأساس للتطور العلمي والاقتصادي والاجتماعي أيضا، ومعظم التقنيات المدنية الشائعة اليوم وآخرها الإنترنت وأجهزة الاتصالات كانت تستخدم وتطور في المؤسسات العسكرية، وكانت الحرب أيضا هي أساس التتظيمات الاجتماعية والسياسية،القبائل والإقطاع والمدن والدول الحديثة،ونشهد اليوم اضطرابات سياسية واسعة في أنحاء العالم مردها أو هي مرتبطة على نحو كبير بالتغيرات المفاجئة التي حدثت في التسلح، وكانت التقنيات العسكرية ضمانا لبقاء كثير من الحضارات والدول وسببا لانهيار أخرى عريقة ومهمة على يد مجموعات بدائية أقل تحضرا ولكنها أقوى سلاحا، مثل سقوط بغداد على يد المغول، وسقوط روما بيد البرابرة، ولكن تقنيات الحرب ظلت في كل تجلياتها وتطبيقاتها المتطورة والمتغيرة مستمدة من الطبيعة وأسلوب حياة الطيور والحيوانات.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق