ما الذي ينتظر الاجتماع الإقليمي غير الفشل؟

تم نشره في الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

حتى الرئيس محمود عباس يحذر من فشل الاجتماع الاقليمي المنتظر في خريف هذا العام بناء على دعوة علنية من الرئيس بوش، حتى الآن لم يحدد للاجتماع مكان أو زمان، ولم يتفق على جدول اعمال، وقد تراوحت التقديرات بين ايلول، الذي اصبح اقرب زمنيا من الممكن, وتشرين الثاني.

لا يمكن لأي تقييم للاوضاع الراهنة إلا أن يتوقع الفشل المحقق للاجتماع، ولا بد أن المخاوف التي عبر عنها عباس تنطلق عن مرارة الشعور لديه بعقم مباحثاته المتكررة مع أولمرت، فالوعود الاسرائيلية تتراوح بين الاجراءات التخفيفية على الفلسطينيين برفع الحواجز وتسهيل الحركة التي تنتهي عادة بالتبخر السريع ولا ينفذ فيها شيء، وبين التلميح بالبحث بالقضايا الجوهرية، ولكنها لا تبحث أصلا.

لقد أصبح تكرار هذه الوعود مهزلة مضحكة،حتى في الصحف الإسرائيلية التي ذكرت أكثر من مرة بأن الحواجز التي كان يتفق على ازالتها خلال اجتماعات ألمرت وعباس لم تكن موجودة اصلا،وإذا أزيل حاجز واحد فلا يمر الوقت قبل ان يثبت حاجز آخر أو أكثر مكانه ولهذا السبب بقي عدد الحواجز التي تقطع أوصال الضفة الغربية وتحاصر الفلسطينيين وتشل حركتهم أكثر من550 حاجزا، مع ذلك، ومع تفاهة المهزلة، لم ينقطع الحديث عن اجراءات التخفيف، وعن تعزيز مكانة أبو مازن من خلال ذلك.

المهزلة الأخرى هي الحديث عن الإفراج عن الأسرى، فبعد قمة شرم الشيخ وبعد لقاءات متكررة، وبعد تمنن اسرائيلي تمخض الجهد عن الإفراج عن255 أسيرا أو سجينا من أصل ما يزيد على أحد عشر ألف أسير يزيد عددهم كل يوم لأن اسرائيل تقوم كل يوم باجتياح مدن ومخيمات الضفة الغربية وتقتل وتعتقل، بحسب تقديرات وزير الاعلام الفلسطيني السابق مصطفى البرغوثي قامت باعتقال أكثر من360 فلسطينيا بعد أن أفرجت عن255 أسيرا.

واقعيا لم تقم اسرائيل بأية اجراءات من هذا النوع لأنها لا تنوي أن تمهد طريق السلام،ولا تنوي أن تخفف اجراءات شل الحركة والحصار عن الفلسطينيين، والحديث المتكرر عن الحواجز يصرف النظر عن الجدار والاستيطان والاحتلال ومخططات التهويد وهضم الحقوق المستمرة.

لأن اسرائيل تبقي أي تحرك عند مستوى الصفر فإن أية إشارة للارتفاع فوق مستوى الصفر تصبح اختراقا كبيرا لدى المحللين والمراقبين والمتفائلين، المعروف أن أولمرت بالاتفاق مع واشنطن غير مستعد للحديث في قضايا المرحلة النهائية، ما يعني عدم استعداده للتقدم أية مسافة من التسوية المنشودة.

وأولمرت يقول:"إنه متفق على ذلك مع واشنطن على أساس عدم توفر الاستعداد الفلسطيني"،ولكن إشارات على الارتفاع فوق الصفر ظهرت خلال اجتماع أولمرت وعباس الأخير حيث قيل إن أولمرت قبل الحديث عن مسائل سياسية مثل القدس واللاجئين، ولكن من غير الخوض في التفاصيل كما أبلغنا كبير المفاوضين.

ما الذي يضير أولمرت أن يتحدث في هذه القضايا وأكثر منها إذا غاب الهدف؟ وإذا اصبحت أهم المسائل المصيرية رهن الاشارات الفارغة الخادعة.

في مسعاه للاتفاق مع عباس على إطار أو مبادئ يحملونها إلى الاجتماع الإقليمي المزعوم، لا يهدف أولمرت لأكثر من صيغة أخرى من تلك الصيغ التي تركزت عليها"عملية السلام" طيلة هذه السنين لتخلق الانطباع الخادع باستمرار العمل للسلام مع ضمان عدم التحرك نحو السلام، وهذا بالضبط ما تريده اسرائيل:الدوران في نفس الموقع.

ألم تقطع عملية السلام منذ عام1991 في الحقيقة قبل ذلك بسنوات،ألم تقطع وتستهلك الكثير من إعلانات المبادئ، وإعلانات النوايا، وإجراءات بناء الثقة، وبناء مكاسب السلام التراكمية، وأساليب الخطوة خطوة، وفترات التجربة والاختبار؟ ألم تتمكن عملية السلام من أن تجرب كل ذلك وكانت الحصيلة، ليس البقاء في نفس المكان بل التقهقر.

بالإمكان الآن التوصل إلى اتفاق مبادئ جديد،يهلل له الإعلام المطيب ويكبر، ويصفه بأنه خطوة "مباركة" للامام واختراق غير مسبوق يذهب به الثنائي الفلسطيني الاسرائيلي إلى الاجتماع الذي لا يزال مجهول المكان والزمان.

لن يضير أولمرت أن يقر بيان يعد بتنفيذ رؤيا الرئيس بوش بإقامة الدولتين جنبا إلى جنب للعيش بسلام، وبالسعي لحل للقضايا العالقة الاخرى مثل القدس واللاجئين والحدود وغير ذلك، قد يعتبر قبول أولمرت لذكر هذه القضايا اختراقا ولكن ما قيمة هذا الكلام بالفعل عندما لا يقترن بأية مرجعيات محددة والتزامات واضحة بشكل الحل النهائي.

من الطبيعي أن إسرائيل تريد نهاية للخلاف على القدس ولكن الوصفة جاهزة لديها وهي "العاصمة الموحدة الأبدية لإسرائيل. فإن طرح الموضوع للبحث تبادر اسرائيل، وهي الممسكة حتى الآن بزمام الأمور، تبادر لطرح حلها لقضية القدس كما أعلنت عن ذلك منذ عام1967. ما الجديد إذن؟

وما الذي يمنع اسرائيل أن تفاوض في موضوع اللاجئين وتطرح ما سبق وطرحته آلاف المرات أي أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا تعنيها ولا عودة لهم، وبنفس الأسلوب ستفاوض اسرائيل على موضوع الحدود ولن تتردد فيه أبدا.

الاستعداد ان تكون حدود الدولة الفلسطينية"على أساس 1967" ولكن"على أساس" لا تعني بالتحديد العودة لخطوط الهدنة قبل حرب 1967 بل تعني الاهتداء بها لوضع الحدود الجديدة التي ستسلخ أكثر من نصف أحسن أراضي الضفة الغربية والقدس، ويجب أن لا يؤخذ الحديث عن تبادل الاراضي بأكثر مما يستحق، وهو لا يعدو كونه وعدا كاذبا لا يهدف لأكثر من ابتلاع الارض وترك الخلاف على بديلها للزمن.

ما هي إلا مسألة وقت حتى يأتي تشرين الثاني ويمضي، وحتى يعقد المؤتمر العتيد كما عقدت المئات مثله ويمر كحدث جديد بلا أثر ولا فائدة ولا نتيجة.

نعم المؤتمر أو الاجتماع الاقليمي سيفشل، لأن الحيثيات المتوفرة لن تؤدي إلا للفشل أقول هذا وأدعو الله وأرجوه ان أكون مخطئا.

التعليق