إبراهيم غرايبة

إسلامي

تم نشره في الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

بدأت الحركات الإسلامية تغادر موقع "الإسلامية" إلى المسلمين، وتتخلى عن مفاهيم وأفكار من قبيل الدستور الإسلامي والدولة الإسلامية والنظام السياسي الإسلامي والديمقراطية الإسلامية والإعلام الإسلامي والمستشفيات الإسلامية والزي الإسلامي والفن الإسلامي والأدب الإسلامي، لتستبدل بها خطابا إنسانيا جديدا، يقوم على دولة المسلمين وليس الدولة الإسلامية، وعلى النظام السياسي للمسلمين وليس الإسلامي، وفنون وآداب وعمارة المسلمين وليس الإسلامية، وهذا يبدو واضحا اليوم في تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، وبدأت جماعة الإخوان المسلمين في مصر تطرح شعار "الإصلاح هو الحل" بدلا من الإسلام هو الحل.

ولكن اللافت للانتباه أنه في هذا الوقت الذي تخلى الإسلاميون عن اعتبار أنفسهم كذلك وأنهم مسلمون وكفى بدأت مؤسسات غربية وعربية غير إسلامية تشغل نفسها بالخطاب الإسلامي، وتسعى في بلورة (كما تقول) خطاب إسلامي ديمقراطي، ودستور إسلامي، والواقع أنه اتجاه معاكس لم يعد يخدم قضايا الحوار الفكري والسياسي ولا يفيد أيضا في المشاركة (الإسلامية) في الحياة السياسية والعامة ولا دمج الحركات (الإسلامية) في العملية السياسية لأسباب ومبادئ أساسية، أولها أن المشاركة السياسية تقوم ابتداء على المواطنة وليس الانتماء الفكري، ومن ثم فإن نسيان مبدأ المواطنة والمشاركة القائم على دفع الضرائب وتحقيق المصالح أو تناسيه يخل بالعقد الاجتماعي للدول وعلاقات المواطنين بالسلطات والشركات وإدارة الخدمات والاحتياجات، وثانيا فإن الديمقراطية هي نظام سياسي اجتماعي يتشكل حول مصالح الناس ومواردهم وتنظيمها والرغبة في حمايتها وتفعيلها وتطويرها، وليست أيديولوجيا تحشد الدعاة والمناصرين والمؤيدين والمؤمنين بها، فلا تقوم الديمقراطية على أساس الإيمان بها فكرة مجردة أو أيدولوجيا يجب الدعوة إليها والعمل لأجلها لأنها فكرة أو هواية جميلة، ولا يحميها المؤمنون بها نظريا وفكريا والمقتنعون بصحتها وجدواها، ولكنها تقوم على أساس ارتباط مصالح الناس بها ولأنها منظومة تدير علاقات السلطة بالمواطنين والمواطنين بعضهم ببعض، وتتكرس عندما يقوم عليها التنافس على الفرص والعطاءات والموارد والوظائف والتوازن بين المصالح والمتنافسين، فلم تكن على سبيل المثال الحريات الواسعة في النشر والنقد حول قصة كلينتون ولوينسكي لأن كلينتون مؤمن عميق الإيمان بالحريات والديمقراطية، فمن المؤكد أنه لو استطاع أن يمنع النشر في هذا الموضوع لفعل ذلك.

باختصار وبساطة فإن الرهان على الإيمان بالديمقراطية والتبشير بها لأجل تحقيق الديمقراطية هو عملية تنطوي على كثير من الاستثمار وخداع الذات وخداع الآخرين، أو هو في أحسن الأحوال يندرج ضمن جهود وأعمال من قبيل حماية الفراشات النادرة والسلاحف الزرقاء.

وثالثا فإن الدين بعامة وينطبق ذلك على الإسلام لا ينشئ أنظمة ومواقف سياسية واقتصادية محددة ولا يدعو إلى ذلك ولا يرغب في ذلك، ولكنه (الدين) مورد فكري وثقافي يمكن أن تحشده الدول والسلطات والمجتمعات والأفراد والأفكار لدعم مسارها واتجاهاتها التي لا ينشئها ابتداء ولكنه يتسع لها جميعها، من الحرب والسلام، والديمقراطية والاستبداد، والمشاركة والفردية، والليبرالية والمحافظة، والعنف والتسامح، والحب والكراهية، والتعاون والتنافس، والتقدم والتخلف، والفشل والنجاح، وكذا في أنماط واتجاهات الحياة والجمال والطعام واللباس والعمارة، فكل نماذج التاريخ الإسلامي من الحكم والحروب والحضارة والفشل والتقدم والانتصار والسلام والتسامح والمذابح هي إسلامية، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، ولا يستطيع أصحاب فكرة أو نموذج أن ينفوا الإسلام عن غيرهم، والصحيح والمنطقي أنها تجارب وتطبيقات المسلمين وليس الإسلام.

خطورة هذا المنهج في نسبة الأفكار والبرامج والدعوات إلى الإسلام أنها تحولها إلى استثمارات تسعى لتغييب الوعي الحقيقي لأجل المنافع القريبة، وتلبس على الناس دينهم وفهمهم، لا بأس ومن الجميل أن يحشد مؤيدو الحريات والدستورية والديمقراطية والتنمية والنهضة النصوص والأفكار الإسلامية، ولكن مع ضرورة الوعي أن ذلك ليس الإسلام، ومع ملاحظة أن أنصار العنف والتطرف والتكفير والتزمت والتخلف يستخدمون أيضا نصوصا صحيحة ويعتقدون أنهم يعبرون عن الإسلام بل وأنهم الإسلام، وهكذا فإن الإصلاح والتنافس والتدافع بين الأفكار والناس يتحول في الحقيقة إلى صراع على الدين مثل الصراع على الموارد، وفي المحصلة فإن ذلك يضر بالدين والأفكار والمصالح والوعي.

ibrahim.gharaibh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"Islamic" necessity or complementary? (Dr. Ahmad Malkawi)

    الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2007.
    The new trend of changing political movement and program names toward a broader umbrella that do not specify the statement “Islamic” is a positive move. The notion of Islamist, most of the time, alienate a large audience who are by default pro-religion, but at the same time do not like to be lumped sum into the Islamist category. The most important thing is directed ACTIONS and hard work toward making Islamic environment and agenda regardless of the name. Islam is for all and all should feel welcomed to be part of genuine Islamic movements regardless of name titles.
  • »قول غريب و غريب جدا (د محمد حسن الذنيبات)

    الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2007.
    إن القول بأن الإسلام لا ينشئ نظاما اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسي ولا يرغب بذلك لهو قول خطير جدا وشططا لم نسمعه من باحث يدعي اطلاعا على الثقافة الاسلامية والدين الإسلامي لكي نقتنع بما تقول علينا أن نتناسى كثيرا من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة كما فهمها الصخابة والأولون وكفى ولوعا بمنتجات الغرب