عبث اجتماعي وأولويات ضائعة!

تم نشره في الثلاثاء 4 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

 

معايير التميز والنجاح لأي شعب او مجتمع لا تكون الا بواقعيته، فالواقعية والعقلانية تساعد الدولة والافراد والمؤسسات على التكيف والتعامل مع الظروف الصعبة بقصد تحقيق حال جديدة، واذا ما اسقطنا تلك الفرضية على الشأن الاقتصادي في بلادنا فإن النتيجة ستكون في غير صالح الدولة والافراد والمؤسسات، ودليل ذلك انفاق الحكومات ومظهرية المجتمع ودورة السلوك الاقتصادي المشوه التي يعاني تحتها معظم الاردنيين.

في حوار انجز على عجل قبل نحو عشر سنوات، ذكر لي مسؤول صندوق النقد الدولي ستانلي فيشر ان "ازمة الاردن الاقتصادية لا تكمن في قلة الموارد بل في كيفية توزيعها"، وانتقل المسؤول الاقتصادي الى امر آخر ذي صبغة اجتماعية لافتا الى ان "الاردنيين يعيشون بأكثر من مستويات دخلهم الفعلية، ويقدسون العادة الاجتماعية على حساب الحالة الاقتصادية".

حاورته وقتها مدافعا عن واقع الاقتصاد الاردني وخياراته الضيقة، ولكنني عرفت بعد حين ان ما ذهب اليه الخبير فيشر هو عين الصواب، فالنمو الذي تحقق على امتداد السنوات الفائتة لم يلقِ بظلاله على جيوب الناس، ولعل من اسباب ذلك سوء توزيع الدخل عبر توجيه الانفاق في اتجاهات شتى ووفق سلم اولويات لا يتفق منطقيا مع حاجات المستهلكين الاساسية، فالمستهلك المحلي ينفق على الاتصالات اكثر مما ينفق على علاجه او غذائه احيانا وفي ذلك عيب تزيد بموجبه صورة الانفاق غير المجدي وتغيب القدرة على تقدير مدى الشعور بوجود النمو من عدمه.

لنتذكر ما جرى قبل 8 سنوات عندما خفضت الحكومة الرسوم الجمركية، لقد امتلأت شوارع البلاد بالسيارات وما تزال في ظل غياب حاجة حقيقية للاعداد الكبيرة من السيارات.

المسح الاول لاستخدامات تكنولوجيا المعلومات في المنازل، اظهر ان 86% من الاسر في المملكة تستخدم الهاتف المحمول، وان ما يقارب 63% من الاسر التي تستخدم المحمول لديها اكثر من خط واحد، وان متوسط الانفاق الشهري للاسر على الهاتف المحمول يبلغ 28 دينارا، هذه النسب والمبالغ تكشف الى حد بعيد تهافت الاردنيين على اتصالات الاجهزة المحمولة، والتوسع في هذا النمط من الانفاق دون مبررات موضوعية، فلا استخدام تلك الهواتف افضى الى واقع اقتصادي استثنائي ولا حاجة الافراد تبرر وجود اكثر من خط محمول مع طالب في الجامعة او "كنترول" باص او ساعٍ في وزارة او مراهقة في المرحلة الثانوية.

امراض فقر الدم ونقص العناصر والمعادن الضرورية في الجسم ملامح تنتشر في غير مكان اردني، وسوء التغذية بات ظاهرة تهدد الاسرة الاردنية وتمس نمو اطفال وشباب اضافة الى كبار في السن، فلا بأس تبعا لموروث سلوكي غير منطقي بأن يتحدث الفرد ساعات مديدة عبر هاتف محمول وان يركب سيارة حديثة بأقساط عالية وان يشتري بيتا يرهنه للبنك ويلتزم بقسط شهري فوق طاقته لمجرد القول بأنه يملك بيتا، وفي مقابل ذلك كله ان يقصر ذات الفرد في صحة وغذاء اسرته واطفاله.

توزيع الانفاق لدى المستهلك المحلي يتجاهل حقيقة ان مليون نسمة يتضورون جوعا في بلادنا وهم يقعون تحت خط الفقر، ويتجاهل ايضا ان سدس السكان يعانون من نقص شديد في احتياجات الحياة الاساسية، وان نسبة الفقر تصل في بعض التجمعات السكانية الى 80%.

نظرة سريعة لسلوكياتنا وعاداتنا في الفرح والحزن، تكشف مدى حدية المجتمع في تنفيذ عادات فقدت المعنى والمضمون، فلماذا ارتبطت العادة الاجتماعية لدينا بالكلفة المادية، فلا مباركة بالنجاح او الشفاء او حفل الزفاف او سواها من المناسبات الا بدفع الاموال او شراء الهدايا، وثمة من لا حول له حيال تلك العادات لكنه يضطر للتعاطي معها باعتبارها شأنا يرتبط بكرامته وحضوره امام الآخر، في عامنا هذا رأيت بعيني احدهم يستدين مائة دينار ليزيد رصيده من دقائق الهاتف المحمول وليشارك في حفل زفاف ويقدم ما يسمى "واجبا" ولكنه تجاهل ان ابنه الصغير -في الصف الثالث- ذهب الى المدرسة بحذاء ممزق، أي عبث وأية اولويات تلك التي تحرك مجتمعنا؟

التعليق