إبراهيم غرايبة

الوسطية في الفكر والثقافة

تم نشره في الثلاثاء 4 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 صباحاً

ينعقد في بداية الأسبوع القادم المؤتمر السنوي الثالث لمنتدى الوسطية للفكر والثقافة، وهو مؤتمر سيشارك فيه تسعون شخصية إسلامية وعالمية من أربع وعشرين دولة، وستقدم في أيام المؤتمر الثلاثة خمس وأربعون ورقة عمل تتناول جهود العرب والمسلمين في الحضارة الإنسانية والعالمية، وما يمكن أن يقدمه المسلمون اليوم وفي المستقبل في التقدم الإنساني، ووقف حالة الهدر القائمة في العالم الإسلامي بسبب التطرف والتخلف، ومحاولة إعادة صياغة حالة جديدة تستعيد الدور الإسلامي في الإنجاز الحضاري في التقدم والعلوم والمعارف والنهضة والفكر والفن.

قد يبدو اليوم كلاما مكررا الحديث عن الدور الحضاري العالمي للمسلمين، ولكنه يبدو ضروريا في موجة اختزال الإسلام والمسلمين في تلك الحالة الهزلية المأساوية التي لا يشغل غيرها وسائل الإعلام التلفزيونية والإلكترونية والمكتوبة والاتصالاتية في هذا الكوكب، وكأن مليارا ونصف المليار مسلم لا عمل لهم سوى الكراهية والعنف، ونحن بالطبع لا نملك سيطرة على وسائل الإعلام، ولا نقدر على إقناعها بالتوازن والموضوعية والإنصاف، ولا أعلم كيف يمكن صرف مئات المراسلين والصحف عن خبر أو قصة لا تزيد أهمية على حوادث المرور، ومحاولة استدراجهم إلى قصص وقضايا أخرى بالغة الأهمية عن الحوار والتعليم والبيئة والفقر والتنمية والنهضة والمرض والاحتلال والاستغلال والتعاون والتنافس، ولكن لدينا مشكلة تعنينا نحن العرب والمسلمين وتثقل كاهلنا، وهي الصورة المتشكلة عن الإسلام والعرب والمسلمين أولا لدى أنفسنا ثم لدى الآخرين، كيف نرى أنفسنا وكيف يرانا الآخر؟

 الكارثة الأساسية والكبرى التي حلت بنا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول ليست فقط في الصورة التي تشكلت لدى الغرب ولكن في صورتنا لدى أنفسنا، لأننا نرى أنفسنا غالبا وربما دائما كما يريد لنا الغرب أن نرى أنفسنا، فكل ما كتب عن القضايا العمالية على سبيل المثال لم يكن له أثر مثل مقالة في الموضوع نفسه في نيويورك تايمز، فلا يدفعنا للعمل والتغيير والاهتمام سوى ما ينشر ويبث في وسائل الإعلام الغربية، ثم تتحول الظاهرة إلى عقل باطن وفلسفة تحكم رؤيتنا لأنفسنا وتقديرنا للمسائل والأولويات والمشكلات والاحتياجات.

ولكن في المقابل عندما نبدأ في العمل والتفكير متبعين وعينا لأنفسنا، وما نريد أن نكون وكيف نكون ما نريد فإننا على الأغلب نسير في الطريق الصحيح أو الذي نختاره نحن بأنفسنا ولا يختاره لنا سوانا، فاختيار غيرنا لنا لا يعبر غالبا حتى مع افتراض حسن النية عن الأفكار والأولويات الحقيقية، وقد تكون بداية صعبة وقاسية وقد لا تشغل الاهتمام الغربي وبالتالي الاهتمام العربي والإسلامي نفسه، ولكن لا خيار لنا سوى أن نعمل ونتحرك وفق رؤيتنا لأنفسنا أو ما نرغب لأنفسنا أن نكون، لأننا بذلك نساهم في تحويل وتغيير رؤية الآخرين لنا كما نقدم أنفسنا نحن وليس كما يريدون أن يرونا، أو كما يتوهمون.

نأمل أن نرى ونسمع في الأسبوع القادم ما يجد فيه العرب والمسلمون رؤية ودليلا جديدا للتفكير والعمل يتجاوز الدفاع المستميت وغير المجدي عن اعتدال الإسلام وتناقضه مع العنف والتطرف، فالدفاع عن الإسلام والمسلمين وتغيير الصورة النمطية السائدة لن يكون بالرد المنطقي والعلمي والإغراق الإعلامي، ولكنه ببساطة بتقديم نماذج جديدة من الأعمال والأفكار ستكون في المرحلة الأولى متوارية قليلا بالنسبة لأخبار العراق ونهر البارد وأفغانستان، ويمكن أن يحظى شريط مسجل لأيمن الظواهري باهتمام عالمي وتعليق سياسي وإعلامي يفوق بمئات الأضعاف ما يمكن أن يحظى به الإسهام العربي والإسلامي في الحضارة العالمية والإنسانية، ولكن التغيير يبدأ بما نريد لأنفسنا أن نكون وبالحماية من الاستدراج والتضليل، ونحتاج بعد اليوم إلى التوقف عن برامج وأفكار الدفاع عن الإسلام أو التقليل منها لنشغل أنفسنا بما يجب أن يكون وما يمكن تحقيقه من هذه الواجبات، وثمة ممكنات كثيرة تحتاج فقط أن نفطن إليها.

ibrahim.gharaibh@alghad.jo

التعليق