أولمرت والحسابات الداخلية

تم نشره في الجمعة 31 آب / أغسطس 2007. 03:00 صباحاً

أحد الأسئلة المركزية التي تطرح في الآونة الأخيرة في إسرائيل، على ضوء اللقاءات السياسية المكثفة بين رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، هو: مدى قدرة أولمرت السياسية على القيام بمبادرة جدية أمام الفلسطينيين، وما إذا سيحظى بمدعم برلماني وشعبي لمبادرة كهذه.

بداية هناك حقيقة واضحة في إسرائيل منذ بدء مسار مؤتمر مدريد، في خريف العام 1991، مرورا بمسار أوسلو، وحتى اليوم، هي أن أحد مسارات التهرب الإسرائيلية من مستحقات العملية السياسية وتنفيذ الاتفاقيات، هي الادعاء الدائم بأن موازين القوى السياسية والبرلمانية في إسرائيل لا تسمح لرئيس الحكومة هذا أو ذاك بالتحرك، وأن حكومته مهددة بالسقوط، أو أن إسرائيل مقبلة على انتخابات برلمانية، وحتى اللجوء إلى حجة الانتخابات الأميركية.

وهذا أمر صحيح في ست دورات برلمانية، كاملة وجزئية، وفي ظل ستة من رؤساء الحكومات بدءا من يتسحاق شمير في مؤتمر مدريد، مرورا بيتسحاق رابين وشمعون بيرس وبنيامين نتنياهو وإيهود باراك، وأريئيل شارون وحتى إيهود أولمرت، ولكل واحد من هؤلاء كانت "أزمة" من نوع خاص، فإما "مشكلته" برلمانية أو حزبية داخلية، أو انه لا يحظى بدعم شعبي، أضف إلى كل هذا، أنه لم يكن أي رئيس حكومة من جميع المذكورين قد حظي خلال ولايته بتأييد شعبي واسع لعمله، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وإذا ما راجعنا مجريات وأحداث 16 عاما من العملية السياسية، نجد أن هذا الأمر كان له قسط كبير في فترات تجميد العملية السياسية وعرقلتها، حتى بدا المشهد، بأن إسرائيل استدركت أن العالم على استعداد للصمت ريثما تحل أزماتها الداخلية التي لن تنتهي.

وهذه الحقيقة يجب أن تمثل أمامنا لدى الحديث عن قدرات أولمرت السياسية الداخلية، وطرحنا لهذا الموضوع هنا، هو من باب تحليل الوضع القائم من رؤية إسرائيلية، وليس تبريرا لقصورات إسرائيل السياسية المتعمدة.

ولشرح وضعية أولمرت الداخلية، فهناك حلبتان: الأولى على صعيد شخصه السياسي، والثانية مسألة موازين القوى البرلمانية.

فبالنسبة لوضعيته الشخصية، فإن أولمرت تم انتخابه لرئاسة الحكومة من باب اللا مفر، في أعقاب سقوط رئيس الحكومة، أريئيل شارون، على فراش المرض مع بدايات الحملة الانتخابية، ولهذا فإن ثقة الجمهور به كانت مشروطة، وتطغى عليها حالة التشكك، وقابلة للتغيير مع كل تحرك أو أبسط هزّة، في أي من الاتجاهات.

ورأينا مثلا أن نسبة التأييد له بعد انتهاء الانتخابات وتشكيل حكومته قد بدأت بالتراجع، وهبطت بشكل حاد في أعقاب أسر جندي الاحتلال في قطاع غزة، في شهر حزيران (يونيو) من العام الماضي، وهبطت في حينه الى ما دون حاجز 50%، ولكنها ارتفعت إلى مستوى 78% على وقع الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على لبنان قبل عام.

ولكن مع انتهاء الحرب وبدء الكشف عن خباياها، وما تبع ذلك من لجان تحقيق عسكرية ورسمية، والتقرير المرحلي للجنة الفحص الرسمية، "لجنة فينوغراد"، والهجوم الذي لا يتوقف عليه من وسائل الإعلام، فإن نسبة التأييد لأولمرت، حسب استطلاعات الرأي، تتراوح حاليا ما بين 7% إلى 15%، بمعنى انه من الناحية الشعبية فإن أولمرت لا يحظى بأي تأييد يذكر، ولكن هذا بناء على الوضع القائم، وقبل ان يعرض أولمرت أي مبادرة سياسية ليعرضها على الفلسطينيين.

أما من الناحية البرلمانية، فبقراءة سريعة لموازين القوى، نجد أن هناك أكثرية واضحة في الكنيست الإسرائيلي تؤيد استئناف العملية السياسية بقوة، على المسار الفلسطيني، وحتى أيضا على المسار السوري في آن واحد.

ونحن نتحدث عن 66 نائبا من أصل 120 نائبا (كتأييد للمفاوضات)، بعد تحييد عدد قليل من نواب حزب "كديما" الحاكم، وحزبي "شاس" الديني، و"يسرائيل بيتينو" اليميني، وضم 15 نائبا من المعارضة اليسارية والعربية، ولكن هذا لا يعني أن الحزبين اليمينيين يعارضان مثل هذه المفاوضات، أو التوصل إلى صيغة مبادرة إسرائيلية تمت بلورتها بالأساس في الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، الموجه الأساسي لكل حكومات إسرائيل.

ولكن برؤية أعمق للرؤية الإسرائيلية، فإن هذه الحكومة تواصل بناء جدار الفصل العنصري على أراضي الضفة الغربية، الذي تم إقرار مساره في ظل حكومتين سابقتين، وبتوجيه أساسي من الأجهزة الأمنية، وهذا الجدار، حسب إسرائيل، هو الذي سيرسم الحدود من جانب واحد مع الضفة الغربية.

ونحن لا نسمع أية معارضة جدية حتى من المعارضة اليمينية، بمعنى أن هناك شبه إجماع صهيوني على مسار الجدار، بما في ذلك مساره داخل أحياء القدس المحتلة، وإذا ما طرح أولمرت مبادرة تعتمد هذا المسار، مع تعديلات طفيفة، أو "تعويض" أراض في أماكن أخرى، فإن السياق الطبيعي لمجريات الأمور في إسرائيل يقول إنه يجب ان يحظى بموافقة واسعة، تشمل أحزابا يمينية.

ويبقى هنا تحفظ مهم، وهو أن مسار الجدار في شمال القسم الشرقي من الضفة الغربية، حيث مستوطنات غور الأردن، ليس واضحا بعد.

بمعنى آخر، فإننا لا نشهد حتى الآن معارضة سياسية ضاغطة على أولمرت، تمنعه من مفاوضة القيادة الفلسطينية، وحتى من داخل ائتلافه الحكومي، الذي يسيطر على ثلثي المقاعد في الكنيست، لا بل فقد سمعنا في اليومين الأخيرين، أن حزب "يسرائيل بيتينو" اليميني المتطرف بزعامة العنصري أفيغدور ليبرمان، الشريك في الحكومة، انتدب النائب يسرائيل حسون، الذي كان نائبا لرئيس جهاز الاستخبارات الداخلية العامة، "الشاباك"، ليكون ضمن طواقم المفاوضات مع الفلسطينيين.

وهذا يعني ان أولمرت ليس ضعيفا سياسيا، كما يحلو لوسائل الإعلام الإسرائيلية، وبعض ساسة إسرائيل إظهاره، ولديه الإمكانيات السياسية والحزبية للتقدم في المفاوضات.

وتبقى القاعدة الأساسية بالنسبة لنا هي أن: أولمرت قوي. أولمرت ضعيف. هذا ليس همّاً فلسطينيا أو عربيا، فأولمرت لا يختلف في هذا الباب عن كل سابقيه من رؤساء حكومات إسرائيل، وتبقى القضية الأساس هي جدية المؤسسة الإسرائيلية في التوصل إلى حل الصراع في المنطقة.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق