محمد أبو رمان

"الإخوان" بين العدالة التركي وحماس

تم نشره في الاثنين 13 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

وجد انتصار حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات التشريعية الأخيرة، للمرة الثانية، صدىً واسعاً لدى النخب السياسية والفكرية في العالم العربي، التي بدأت تقارن التجربة الإسلامية الجديدة في تركيا بالتجربة "الإخوانية"، بصورة خاصة في المشرق العربي، بين من يدعو "الإخوان" إلى الاستفادة من هذه التجربة والتطوير على هديها وبين من يرى أنها مرتبطة بـ"الخصوصية التركية". في حين اتسمت أكثر التعليقات "الإخوانية" إمّا بإدانة خروج تجربة العدالة على الخطوط الإسلامية الايديولوجية العريضة، وإما باعتبارها من باب فقه "المضطر" أو الإكراه على قاعدة: "إلاّ من أُكرِه وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان".

المفارقة أنّ هنالك سجالاً آخر يدور في الأوساط السياسية والإسلامية، لكن على خلفية قيام حركة حماس بالسيطرة على قطاع غزة عسكرياً، وما تلا ذلك من أعمال وصور نقلتها وسائل الإعلام ساهمت في إضعاف شعبية حماس والحركات الإسلامية وهزّ صورتها لدى الرأي العام، برأي عديد مراقبين. إلاّ أنّ مثقفين وكتّابا من الحركة الإسلامية أو مؤيدين لها كان لهم رأي آخر، تماماً، فقد شعروا بنشوة النصر العسكري، الذي تحقق واعتبروا أنه تكريسٌ لنمطٍ جديد في العلاقة بين الإسلاميين والأنظمة.

نموذج "حماس" مناقض تماماً للنموذج "التركي"؛ فبينما سعى الإسلاميون الأتراك إلى كسر شوكة السلطة من خلال الالتزام بالبراغماتية التامة، التي دفعت إلى إعادة هيكلة الشعارات والمبادئ والأوليّات، إلى التخلي عن العنوان الإسلامي، فإنّ من انتصر في نموذج حماس هو الخط الأيديولوجي المسلّح، الذي وجد أنّ السلاح هو الطريق "الصواب" لمواجهة السلطة وقوتها.

بلا شكّ أنّ لكل تجربة شروطها الخاصة والمحددة التي تفرض نفسها على خيارات الإسلاميين، إلاّ أنّ التجربتين ماثلتان، الآن، أمام الإخوان: إمّا إلى براغماتية سياسية كاملة وإمّا السلاح أو "الاستقواء السياسي" على النظم الحاكمة.

يقدّم أسامة أبو ارشيد، رئيس تحرير صحيفة الزيتونة الصادرة بالولايات المتحدة باللغة العربية، قراءة لافتة لأحداث غزة وانعكاساتها على الخطاب والتصور الفكري والسياسي لدى جماعة الإخوان. وأسامة أبو ارشيد، هو أحد أبناء الحركة الإسلامية في الأردن، قبل أن ينتقل إلى أميركا، ويستقر هناك.

في مقاله "حماس تُدشِّن بداية نهاية الحقبة المَكيِّة في التفكير الإخواني" (المنشور في الأصل في صحيفة القدس العربي)، يقدّم أبو ارشيد أفكاراً خطرة واستنتاجات بحاجة إلى وقفات كبيرة وعميقة. لكن الغريب –حقّاً- أن يُعاد نشر المقال المذكور على موقع جماعة الإخوان الرسمي (في الأردن)، وهو الموقع الذي يلتزم بنشر ما يوافق خط الجماعة السياسي والفكري، ما قد يُفهم أنه تأييدٌ للمقال!

يتناول المقال الظروف السياسية التي دفعت حماس إلى اتخاذ قرار الحسم العسكري في غزة، لكنه يقفز من هذه الاعتبارات، مباشرةً، إلى التعميم بمطالبة "الإخوان" في الدول الأخرى بالاقتداء بنموذج حماس، أي اللجوء إلى القوة والحسم في مواجهة النظم، بدلاً من الاستمرار في تلقي الضربات، والامتناع عن الرد على قاعدة مقاربة واقع الحركة الإسلامية بواقع دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلّم) في مكة (التي منع فيها الشارع "الجماعة الإسلامية" من الرد على الاعتداء).

يقول أبو ارشيد مقارِناً بين نموذج حماس الجديد وبين النموذج الإخواني المصري (أي الحقبة المكيّة): "حماس قد قررت، عن وعي منها أو من دون وعي، أن تضع حدا لـ"الحقبة المكية" في تفكير المدرسة الإخوانية وتُدشِّن بداية نهايتها. تلك الحقبة التي تستصحب التلذذ بالمحنة وآلامها كما يُعبِّر عنها الإخوان المسلمون في أدبياتهم، ربما دون وعي. فإذا كان السَحق هو قدر حماس وعقوبتها، فلماذا تنسحق حانية الرأس مطأطئة الجبين!؟ وإذا كان يراد كسر عظمها فلماذا لا تُكَسِّرُ عظام خصمها معها؟! من المفارقات أن حماس كانت تخوض معركة الحسم مع فتح، في حين كان أشقاؤهم في تنظيم الإخوان المسلمين في مصر يُسامون سوء العذاب في انتخابات الشورى الأخيرة".

ويوضح أبو ارشيد أبعاد التحول الفكري الجذري، الذي قامت به حماس، قائلاً: ".. منذ أواخر العشرينيات من القرن الماضي، تاريخ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وهم يتقلبون بين محنة وأخرى، ولم يفد "تعقلهم" و"حكمتهم" في جلب السلامة لهم. صحيح أن الوضع في غزة والأراضي الفلسطينية مختلف عن أوضاع فروع جماعة الإخوان المسلمين الأخرى في البلدان العربية المختلفة. ولكن خطوة حماس هذه قد تدفع بالإخوان المسلمين إلى التفكير بطرق "خلاّقة" أخرى لمواجهة القمع والكبت الممارس عليهم وعلى شعوبهم من قبل الأنظمة".

لكن ما هي الطرق الخلّاقة التي يتحدث أبو ارشيد عنها؟ يجيب: "ليس معنى هذا، أنهم قد يلجأون إلى خيار "العنف"، سيكونون هم الخاسرون فيه طبعا، وإنما على الأقل، فإنهم قد يلجأون إلى تغيير قواعد اللعبة مع الأنظمة، ونقل التوتر معها إلى الشارع في صورة عصيان مدني واسع، وهو أمر ينبغي أن تُفكِّر فيه الجماعة في مناطق نفوذها..".

إذن هي دعوة إلى تغيير جذري في الفكر السياسي الإخواني؛ لا باتجاه البراغماتية السياسية وإنما باتجاه تبني منطق التصعيد ومحاولة الحسم السياسي، وربما العسكري، في سبيل الوصول إلى السلطة، بدلاً من بقاء الإخوان رهناً بسياسات الطرف الآخر.

أعتقد أنّها مقاربة تحمل خطاباً فكرياً ثورياً يسير باتجاه استعادة الإخوان لخيار العمل المسلح والمواجهات الحاسمة، ذلك الخيار الذي تخلوّا عنه بعد تجربة المعتقلات والسجون المصرية، وكارثة حماة في سورية، وهو الخيار ذاته الذي أنتج خطاب "المدرسة القُطبية". فهل هذه المقاربة هي الانعكاس المباشر على "جماعة الإخوان" لما قامت به حماس في غزة؟ وهل يشعر "الإخوان" أنّها أقرب وأصلح لهم من تجربة العدالة والتنمية التركي؟

الجواب لدى قادة "الإخوان"..

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدولة الأردنية والدولة التركية (أنس بني ارشيد)

    الاثنين 13 آب / أغسطس 2007.
    الأخ محمدأشكرك على إثارة هذه القضية، ودعنا من التوجه بالإسئلة إلى الحركة الإسلامية.. السؤال لمن يمتلك القرار في هذا البلد وهي المؤسسات الرسمية، هل هي مستعدة لقبول حركة إسلامية على غرار العدالة والتنمية التركي؟ وهل هي مستعدة لخلق ظروف مشابهة إلى حد ما مع الظروف الموجودة في تركيا؟ بمعنى، هل تقبل تلك الدوائر بديمقراطية حقيقة؟ يتم من خلالها المشاركة السلطات؟ هل تقبل بحكم الشارع واختياره؟ هل تقبل بقوانين انتخابية قائمة على أساس تكريس الحياة الحزبية لا على أسس نواب الحارات؟ هل تقبل فعلاً بتداول حقيقي؟ هل تقبل بانفتاح وشفافية في المحاسبة والمساءلة؟
    الحقيقة والواقع لا يقول ذلك، وهنا أصل المشكلة، أن الظروف تفرض على الحركة الإسلامية أن تعيش في هاجس الاستهداف لأنه بالفعل موجود، هل لديك تفسير لما قيل قبل الانتخابات البلدية بأنه لن يسمح للإسلاميين بالفوز في هذه الانتخابات؟ هل لديك تفسير بقيام البخيت بالربط ما بين فحت الاسلام في البارد بالحركة الإسلامية الأردنية الراشدة؟ هل لديك تفسير في وصف من يطالبون بمحاسبة مزوري الانتخابات بأنهم تعدوا ثوابت الوطن وتجاوزا كل الخطوط الحمراء وأنهم متطرفون وتكفيريون وأنهم يسيئون للمنجزات؟ الحقيقة إن تقييم أداء الحركة الاسلامية في ظل هذا الواقع يعتبر بمثابة قفز للنتائج وتجاوز عن المقدمات لأنها تحت الاستهداف المستمر منذ سنة 1993، وأرى أن الحركة الإسلامية لا تملك إلا المطالبة بالإصلاح مع قليل من الضغط، ولكن مفتاح التغيير والمبادرة موجود لدى الطرف الآخر وهو من يملك الإجابة.
  • »حيللك_ حيلك (بلال)

    الاثنين 13 آب / أغسطس 2007.
    لا أعرف لماذا الحجم على الأسلامين ولماذا زجينا مفارقات ومقارنات ما بين ما يحدث في الأردن ودول المنطقة تاره حماس وأخرى أيران ومرة أخرى تركية حتى لو كنا ندافع عن حكومتنا التي زجت انوف الناس البسطاء في انتخابات ودفنا رؤوسنا كما النعام لا يجروء احد منا ان يحاسب المسؤول تناسينا الفساد والتزوير كل هذا خوف من تجربة حماس أو تركياوفي النهاية على الأسلامين السكوت بعد ما استخدمت الحكومه منابرها و أقلامها لذود عن حماها الشريف
  • »نصف عين لا تكفي (أبو الحسن الكركي)

    الاثنين 13 آب / أغسطس 2007.
    مقاربة المكي والمدني هي بالعلاقة بالسلطة هل الحركة في موقع الحكم أم في مقام المعارضة وبالتالي تتحدد أساليبها تبعا لواجبها لكن الشق الثاني من المقاربة هل ستبقى السلطات تتعامل مع الحركة بطريقة كفار قريش ويهود المدينة ليس تكفيرا لكنه منهج واضح انتقاد الأضعف ليس الطريق الصحيح لتبيان الحق والحياد أيضا ليس مطلوبا المطلوب قدر أكبر من الموضوعية
  • »على رسلك (الرياشي)

    الاثنين 13 آب / أغسطس 2007.
    الاستنتاج الذي خلصت له بكل احترام ينبع من موضع اتهام للاخوان بالميول للعنف ...وهذا حكم مسبق من الصعب تقبله من كل ذي بصيره والمقال المشار اليه يدعو الى اساليب خلاقة بعيد عن ما يدور في خاطرك والاساليب الخلاقة ليست بالضرورة ما يخرج عن طوق الاساليب المكفولة بالدستور للاعتراض واسماع الصوت هذا ان اتسع صدر الحكومات لهذه الاساليب الخلاقة ثم لماذا نرضى بان تضع الحكومات الاخوان بين سنديان التعنت ومطرقة الاستهداف ثم لا نوجه النصيحة للحكومات بالقبول بالاخر مهما كان لماذا على الاسلامين ان ستفيدوا من تجربة حزب العدالة ولم نسمع من احد يطالب الحكومات من الاستفادة من تجربة الجيش التركي العلماني بالتعامل مع حزب التنمية الكلام يطول ولكن الفكرة لعلها تكون جلية والسلام