الإسلاميون والدولة العربية

تم نشره في الجمعة 3 آب / أغسطس 2007. 03:00 صباحاً

يطرح صعود الإسلام التركي في الانتخابات التي جرت مؤخرا، وتنامي التوتر بين حركة الإخوان في الأردن والحكومة بعد الانتخابات البلدية الأخيرة، من جديد السؤال عن مستقبل الإسلام السياسي في العالم الإسلامي، حيث تسود حالة من المغالبة بين الدول العربية والإسلامية، والإتجاهات الإسلامية فيها، وهي تعتبر من تركات  تاريخ علاقة متوترة أفضت إلى حالة من الفصام النكد بين مؤسسة الدولة وتلك الحركات.

يغالب الإسلاميون من أجل حكم اسلامي أو ولاية دينية على مصائر الدولة، والأخيرة لطالما صادرت المؤسسة الدينية، وعليها اليوم الوقوف في مواجهة الرغبة بالتوحيد الحي المدعوم بجهاز سياسي يفرض من علٍّ بشكل او بآخر عبر منظومة من الأوامر والنواهي الشرعية، التي يرى الإسلاميون أنها تكفي لاحراز تقدم ونهضة.

برغم رغائب الإسلام السياسي المعاصر باحلال نظام إسلامي، يقود إلى إحداث نهضة، إلا أن منظري الإسلام السياسي، لم يتقدموا كثيرا، وتبين مع التجربة أن مفهوم التوحيد الكلاسيكي قد انتهى في الاعمال الحديثة والمعاصرة الى صيغة دينامية حية صريحة، كُفت فيها العقيدة عن ان تكون مجرد مبادئ فلسفية وادلة منطقية جافة، لتتحول فيما بعد في تجرية الفقه والإصلاح الاجتماعي إلى الاستخدام الذرائعي المنظم بوصفه أيدولوجيا للدولة، ومن ثم سلاحا ضد الخصوم.

حدث هذا التحول مع تنامي المنحى التطوري للاسلام السياسي، الذي انتهى بمفكري الاسلام المحدثين الى الاعتقاد بأن العالم العربي الحديث، لا يستطيع ان يتقدم الا اذا وضع حدا لحالة "الفصام النكد" بين الحياة السياسية الاجتماعية، ونظم الإسلام الفقهية أو القانونية، وحمل الاسلام نفسه الى موقع السلطة الوازعة والسلطة المشرعة، أي أن تكون الدولة للاسلام فقط.

تعيد مشاهد الانتخابات العربية والإسلامية اليوم، السؤال عن المبادئ التي يستلهمها الاساس القيمي للتقدم لدى الإسلام السياسي، وهي قيم مبنية على العدالة والساواة والحكم الشوري، والتي قد تتطور إذا ما سنحت الفرصة إلى الحلول محل الدولة كبديل اجتماعي، وقد ساعد على تنامي هذه الحالة تراجع قوة الدولة عربيا في أن تكون حاضنة اجتماعية وسياسية لموطنيها، فكانت النتيجة تشكل خيار واحد لدى الشعوب وهو الاندفاع نحو الحركات الإسلامية.

وفي المقابل، وبفضل القيم الإسلامية وعلى رأسها الشورى التي انتهت إلى مشاركة سياسية، ودخول في البرلمانات، كان على الإسلاميين أن يفسروا التحول من درجة السمو التي نظر لهم بها، حين لم يستطيعوا أن يقدموا حلولا اجتماعية. تلك الحالة التفسيرية التي كان يجب على الإسلاميين الاجابة عنها، كانت فرصة ذهبية لتستعيد الدولة مواطنيها، لكن ما حدث هو العكس، إذ وفر انهاك مؤسسات الدولة، وسعيها إلى الاندماح في الاقتصاد الحر الفرصة مرة أخرى ليعاود الإسلاميون اكتساح المشهد. ومن هنا يمكن تفسير انتصارات الإسلاميين المعاصرة، وهي لم تكن آنية، بقدر ما كانت نتيجة تأمل ايجابي ودائب في مسألة البحث عن الذات بعد طول ضياع.

في هذا السياق يمكن معاودة قراءة التجربة المصرية كمثال للفحص، فالإخوان في مصر وضعوا تطبيق الشريعة في محور برامجهم السياسية، وكان عجز نظام الضباط الأحرار في عام 1952 ثم نظام عبدالناصر عام1954  سببا في وضع ذاك الهدف بندا رئيسا في برامج المعارضة، ونتيجة لذلك أدت اشتراكية عبدالناصر وموقفه العلماني عموما إلى ابعاد الإسلاميين بشكل واضح، وهذا ما افرز اتجاهين، هما الاتجاه المحافظ للإخوان وهو السائد، والاتجاه الراديكالي الموالي لأفكار سيد قطب.

 وفي حين وجد الاتجاه الأول ملجأ له في بعض دول الخليج ومنها السعودية، فإن الاتجاه الثاني لم يقبل بالمساومة مع الحكومات القائمة لأنها لا تحكم بما انزل الله، واعتبر هذا الاتجاه الحكومات العربية لأنها لا تحكم بما انزل الله حكومات طغاة، وهذا ما ادى لتعمق الريبة من تلك التيارات السياسية، وزاد العلاقة توترا، ومع ان العلاقة شابها نوع من الودّ والتحالف في مصر أيام السادات بالسماح للإسلاميين بهامش من الحرية، وكذلك في الأردن، فإن ذلك الربيع مالبث أن انقضى بسرعة لمصلحة خلق حالة من التوازن، وربما الانقلاب على تلك العلاقة.

وهذا ما حدث مع السادات عندما حاول ان يستأثر برموز إسلامية وينصب نفسه شخصية دينية وتلقب بلقب "الرئيس المؤمن"، وفي ذات الوقت كان يقدم أوراقه الليبرالية والديمقراطية لاصدقائه الغربيين، وكان من أبرزها آنذاك اصلاحات قانون الأسرة الذي عرف "بقانون جيهان" الذي اعتبر خطوة بعيدة عن الشريعة، ومع  ذلك لم تحل إيمانية السادات، بينه وبين الاغتيال المتشرب بالأيدولوجيا القطبية –نسبة إلى سيد قطب-، وها هو اليوم مشهد العلاقة في الباكستان بين مشرف والحركات الإسلامية وهو - بحسب الزميل محمد أبو رمان- يذكر بمشهد السادات والإخوان وهو مشهد يقود إلى المواجهة مرة اخرى.

من خلال التجربة، يبدو أن الإسلاميين مطالبين بان يعوا حسب رأي فهمي جدعان ضرورة الفصل بين الاسلام من حيث هو دين او عقيدة، وبين الاسلام من حيث هو تراث، فلا يضعون التراث في مرتبة العقيدة من جهة اولى، ويعترفون بأن التراث ليس سوى منجزات زمنية تاريخية تربط صانعيها من السلف ولا تقيد احدا من الخلف من جهة ثانية.

مهما كانت تصورات الإسلاميين للحلول من جهة، والدولة من جهة اخرى لتفسير ما يجري، فإن أولويات الإسلاميين يجب أن تتجه ليس إلى اقناع الناس بجدوى افكارهم ونزاهتهم ونظافة أيديهم، بل التسلح بنهج التحليل الواقعي للمشاكل، والامر الثاني الايمان بقيمة الحرية وبانها المقدمة الاولى التي لا غنى عنها في اي مغالبة، وهذا ما يؤخذ على مفكري الاسلام المحدثين وبخاصة من المتأخرين، وهو عدم التفهم لهاتين القيمتين، فرغم أنهم ينادون بالحرية لهم إلا أنهم يأبونها على غيرهم.

Mohannad974@yahoo.com

التعليق