إبراهيم غرايبة

يوسف العظم

تم نشره في الثلاثاء 31 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

ويرحل أبو جهاد الأستاذ يوسف العظم عن هذه الدنيا، ولكنه باق بذريته الصالحة وعلمه الذي ينتفع به وأعماله المتواصلة وذكريات الناس عنه.

هذا الفارس الأردني الذي أعطى أكثر مما أخذ، وبذل وقدم في التربية والأدب والدعوة والإعلام والسياسة والخدمة العامة ما يحتاج إلى مؤسسة وفريق، وكأنه بالفعل أمة في رجل، كيف استطاع هذا الصبي اليتيم القادم من معان بعد أن أتم الصف السابع الأساسي ليكمل تعليمه في عمان، فيعيش في غرفة صغيرة برفقة صديق آخر سيصبح هو الآخر أحد رواد العمل العام في الأردن، الأستاذ أحمد العقايلة؟ ثم يمضي الفتى المليء طموحا وعزما ليكمل دراسته في العراق ثم مصر ليكون وهو في أوائل العشرينيات من عمره احد كتاب مجلة الرسالة إلى جانب العقاد وسيد قطب وطه حسين والزيات، ويؤلف في الفكر والشعر، ويقدم سيد قطب أحد كتبه.

كيف أصبح هذا الشاب الثلاثيني الذي قدمت أسرته من دمشق نائبا لمدينة معان، المدينة البدوية العشائرية في حين لم يكن أقاربه وذووه يزيدون على العشرين شخصا؟ يجب ألا نحسد يوسف العظم فقط على قدرته على كسب ثقة أهل معان، ولكن يجب أن نحسد أهل معان على سعة أفقهم وقدرتهم على تجاوز ما عجزت عن الوصول إليه مجتمعات ومدن أخرى حتى بعد أربعين سنة.

وظل هذا الفتى في طاقته العظيمة وهو يطوف في المدن والبلدات في الضفتين في ظروف من النقل والمواصلات البدائية يلقي المحاضرات ويلتقي الناس ويواجه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويكتب في الصحف ويصدر المجلات والنشرات، ويدير المدارس ويمارس عمله النيابي ويتابع شؤون دائرته الانتخابية التي كانت مساحتها تزيد على ثلث مساحة الأردن لتشمل الطفيلة والعقبة ووادي موسى والبادية، ويكتب ويؤلف ويسافر في العالم داعية ومحاضرا، ولم يحتمل قلبه هذه العزيمة الجبارة فأصيب بمرض في القلب، ولكنه ظل على مدى عشرين عاما بعد مرضه هذا يواصل عمله وعطاءه مواجها المرض والإجهاد وتقدم السن.

وفي عام 1993 كان أبو جهاد عضوا في اللجنة العليا للحركة الإسلامية لإدارة وتنظيم الترشيح والانتخاب كان رفاقه يتمنون عليه لو يستريح ولا يجهد نفسه، ولكنه يصر على المشاركة والعمل، واختار له الرفاق ألا يتقدم للانتخابات إشفاقا على صحته وقلبه الرقيق المجهد، وإن بقي يدير مدارس الأقصى ويكتب ويؤلف ويصدر دواوين الشعر ليضم إلى ديوانه المنتشر في جميع أنحاء العالم "في رحاب الأقصى" مجموعات أخرى كان آخرها "قبل الرحيل" وهو عنوان يحمل بالطبع الفكرة والمشاعر العميقة لدى الرجل.

وأحسب أنه لم يخرج من الدنيا بعد هذه السيرة المليئة بالأعمال والإنجازات والمناصب الكبرى أكثر مما يمكن لإنسان عادي بسيط أن يحصل عليه، بيت في جبل التاج لم يشأ أن يغادره، وراتبه التقاعدي. وفي عام 1974 عندما حل مجلس النواب رفض أن يواصل استلام راتبه النيابي الذي بقي جاريا وأعاده مع موظف المجلس الذي حضر بنفسه ليسلمه إليه في مكتبه في المدرسة. وسمعت مرة الدكتور عبدالله عزام رحمه الله أنه حين كان أمين السر العام لجماعة الإخوان المسلمين بين عامي 1974 - 1978 يقول إنه تحدث مع الأستاذ يوسف لأنه مقصر في دفع الاشتراكات الشهرية للجماعة، فقال له: صدقني أني أجد صعوبة كبيرة في تدبير الطعام والاحتياجات اليومية لأسرتي.

في عام 1999 كنت أزور أبو جهاد في بيته في جبل التاج والذي لم يكن مزودا بتدفئة مركزية، أتذكر ذلك لأن الجو كان شديد البرودة، وكنا نجلس حول مدفأة غاز ولأني شخصيا يصيبني البرد بتشنج في عضلات جسمي ولا يحل مشكلتي مع البرد سوى التدفئة المركزية محاولا تسجيل ذكرياته وما يعرفه عن تاريخ الأردن والحركة الإسلامية، وكان الحديث والتذكر يجهده ويصيبه بإعياء، وأتذكر من أحاديثه المطولة المسجلة والتي فرغتها وأعددتها للنشر، ولكن قيادة جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة

(2002– 2006) أوقفت الكتاب ومازال موقوفا، ومما أتذكر اليوم من حديثه أنه في عام 1957 في تلك الأزمة العاصفة التي مرت بالأردن وشلت فيها الحياة الإدارية والسياسية توقفت الإذاعة وكان مقرها في

رام الله عن العمل لأن الموظفين انسحبوا من عملهم، فدعي أبو جهاد إلى الديوان الملكي ووجد في ساحة القصر جلالة الملك الحسين واقفا ومعه أبو ماجد محمد عبدالرحمن خليفة، فقال له أبو ماجد: تذهب الآن بأمر جلالة الملك إلى الإذاعة في رام الله وتديرها، ونقلته سيارة عسكرية على الفور إلى رام الله وظل يدير الإذاعة ويتحدث للجمهور لعدة أيام حتى أمكن توفير الطواقم الكافية لتسيير الإذاعة.

ومن الطُرف التي رواها لي أحد المستمعين إلى الإذاعة في تلك الأيام أن يوسف العظم كان ينادي المتمردين بصفاتهم وأسمائهم ثم يخاطبهم قائلا: "يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم".

كم يملك الأردن رجالاً عظاماً لم تغيرهم الأضواء والمناصب ولا استدرجتهم فرص الثراء غير المشروع، وحتى المشروع، وظلوا بعيدين عن الأضواء والتكريم والمناصب ويلقى غيرهم من العاجزين والفاشلين والفاسدين التكريم والإغداق والفرص المتوالية للمناصب والمكاسب؟

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قول على قول (سليم المعاني)

    الثلاثاء 31 تموز / يوليو 2007.
    أخي الأستاذ ابراهيم... أسعد الله أوقاتك : جواكم الله خيرا على ما كتبت .. لقد أضفت الى معلوماتي عن راحلنا الكبير شيئا جديدا .. في الوقت نفسه أود أن أوضح أن الطفيلة لم تكن تابعة لمعان عندما ترشح الاستاذ يوسف العظم عليه رحمة الله .