منار الرشواني

ما بعد الانسحاب الأميركي

تم نشره في الاثنين 16 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

في الذكرى السنوية الرابعة لاحتلال العراق، حددت مجلة "فورين بوليسي" (Foreign Policy) الأميركية عشرة منتصرين في تلك الحرب: إيران، ومقتدى الصدر، وتنظيم القاعدة، وصامويل هنتنغتون (بنظريته صدام الحضارات)، والصين، والديكتاتوريون العرب، وسعر النفط، والأمم المتحدة، وأوروبا القديمة، وإسرائيل.

وإذا كان التناقض الموجود فعلياً بين كثير من هؤلاء المنتصرين المفترضين يثير علامة تساؤل حول دقة القول بنصر كل منهم، أو يفرض، على الأقل، قيداً على استمرارية هذا النصر واستقراره على المدى البعيد، إلا أن الحديث اليوم عن انسحاب أميركي من العراق، سواء أكان كاملاً أم جزئياً أم على مراحل، يسمح بكثير من اليقين بتحديد أهم الخاسرين، وهي ليست الولايات المتحدة أبداً، وإنما الدول العربية كافة، بما في ذلك الديكتاتوريات التي انتصرت على الديمقراطية، فعدّ ذلك مكسبها الأهم، بل والوحيد من الفشل الأميركي في العراق، وما عناه من فوضى وانهيار. مع الإشارة إلى هذه الخسارة كانت آخذة في التعمق منذ بداية الغزو الأميركي للعراق على الأقل، لكن الانسحاب الأميركي سيكشف عنها بالشكل الأوضح.

فالاحتلال الأميركي للعراق، مضافاً إلى الاحتلال الإسرائيلي، كان سبباً أكثر من كاف لتعزيز حضور الحركات الإسلامية المتشددة، وحتى الإرهابية منها، مادياً ومعنوياً، من خلال الشرعية التي منحتها إياها الولايات المتحدة باحتلال بلد عربي تحت ذرائع واهية، ثم السماح بتدميره تماماً، إن لم نقل العمل في هذا الاتجاه.

والمفارقة المدمرة بحق، هي أن انسحاباً أميركياً في الوقت الراهن، في ظل الظروف الحالية التي يعيشها العراق، لن يكون بمثابة نزع للذريعة والشرعية من تلك التنظيمات، بل سيتم النظر إليه حتماً باعتباره نصراً حققته "القاعدة" وشقيقاتها على الدولة الأقوى في العالم، والداعم الرئيس لإسرائيل في كل الفظائع التي ترتكبها بحق الفلسطينيين؛ ومثل هذا النصر بما يمنحه من زخم، لا بد من استثماره -من وجهة نظر "القاعدة"- للانقضاض على حلفاء أميركا العرب حتى قبل إتمام "تحرير" العراق، باعتبار أن المعركة متكاملة على اختلاف الساحات.

وخلافاً لما قد يعتقده البعض للوهلة الأولى، فإن صراع "القاعدة" وشقيقاتها، لن يكون بأي حال من الأحوال ضد الأنظمة العربية الحاكمة فقط؛ إذ سريعاً سيكتشف حتى أنصار الانسحاب الأميركي من العراق، المتباهون بنصر لم يصنعوه، من قوميين وغيرهم، سريعاً سيكتشفون التناقض الذي سيخلق بينهم وبين الإسلاميين بشكل عام؛ والأهم من ذلك أن الإسلاميين ذاتهم سيدخلون حتماً في مواجهة داخلية بسبب التناقض بين إسلاميين معتدلين يؤمنون بتغيير آمن بما يضمن الاستقرار الذي هو نقيض الانفلات والانهيار، وبين تنظيمات إسلامية ترى ضرورة قلب المجتمع رأساً على عقب، لإخراجه من وضعه الحالي الذي هو واقع "كفر" إلى مجتمع "مؤمن" بمقاييس تلك التنظيمات طبعاً. ولعله لم يمض وقت طويل لننسى نعي أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، لحركة حماس، بعد مشاركتها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وتشكيلها الحكومة، وقوله بأن الحركة "سقطت في مستنقع الاستسلام لإسرائيل".

وعند هذه النقطة، يمكن القول الآن: تساوى الخطر، انسحب الأميركيون من العراق أم بقوا!

أخطأت الدول العربية عندما لم تتدخل بالشكل الكافي وعلناً في العراق بعد الاحتلال الأميركي، الأمر الذي يعتبر مسؤولاً بدرجة ما عن ملء الفراغ الحاصل من قبل تنظيم القاعدة وغيره، ناهيك عن إطلاق يد إيران وأتباعها في بلد عربي، ومنحها مزيداً من النفوذ الإقليمي. لكن اليوم، ومع تزايد مؤشرات اقتراب الانسحاب أو التراجع الأميركي من العراق، لم يعد ممكناً أن تستمر الدول العربية في موقفها السلبي، لأن الثمن سيكون أكبر من العراق.

جيد أن يدرك العرب، قبل فوات الأوان، أن الديمقراطية ليست خياراً بين خيارات أخرى، بل هي اليوم حبل النجاة الأخير المتاح، حتى لمن يظن أنه يسيطر على القاعدة وأشباهها اليوم ويستغلها، فالتاريخ يشهد على انقلاب التنظيم على حلفاء الأمس.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق