سائرون نحو ما هو أسوأ من هذا الأسوأ

تم نشره في الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

قد يقال إن الوضع الذي بلغته منطقة المشرق العربيّ الآن أسوأ الأسوأ، وانه لا يوجد ما هو أدنى قعراً مما نعيش فيه الآن. وطبعاً فإن الحجّة التي تتصدّر الرأي هذا تدور حول الإرهاب الأصوليّ والموقع المحوريّ الذي غدا يحتلّه في حياتنا العامّة حتى انه بات أحد أهمّ صادراتنا الى العالم الخارجيّ. وغنيّ عن القول إن السمة تلك أضحت أوسع القواسم المشتركة ما بين العراق وغزّة!، وإن لوّنها كلّ بلد بلونه الخاصّ وميّزاته الحصريّة.

والحديث عن الارهاب الأصوليّ، المتفاقم والمتعاظم، ينطوي على معان ودلالات كثيرة وخطيرة. فمن ذلك، في حال الاقتصار على بعض أبرز العناوين فحسب:

- تراجع الرابطة الوطنيّة في كلّ واحد من البلدان المذكورة، ومن ثم انحسار الإقرار بالدولة كجهاز تحكيم سياسيّ واجتماعيّ.

- تراجع المجتمع المدني، بوصفه خلاصة علاقات وروابط مصدرها حديث، مهنيّ-نقابيّ أو قائم على الاختيار الحرّ (روابط، تجمّعات)، لمصلحة "هويّة"، أو "هويّات"، جاهزة وموروثة.

- اقتراب العلاقات الأهليّة في كلّ واحد من البلدان المعنيّة من حافّة الانفجار. ذاك أن صعود أيّ من "الهويّات" الجزئيّة، ما قبل الوطنيّة، سوف يستدعي حكماً صعوداً في "الهويّات" المقابلة، لا سيّما في ظلّ تعطّل الدولة كوسيط تحكيم.

- الشعور المبرّر للأقليّات، الدينيّة منها والطائفيّة والإثنيّة، بالحصار والإخراج من الوطن، وشعور النساء المبرّر، تبعاً لهيمنة الوعي الذكريّ الجلف، بالدفع نحو التهميش والدونيّة.

- تراجع التنوير وكامل التراكم الذهنيّ والمعرفيّ الحديث والعقلانيّ الذي يتشرّبه المجتمع من خلال التعليم والإعلام ووسائط التداول والتخاطب العامّ، لمصلحة عدد من الخرافات القروسطيّة.

- شيوع العنف في العلاقات الاجتماعيّة عموماً، مصحوباً بنظرة قطعيّة ومبرمة الى العالم تعزّز الخيارات العنفيّة في التعامل مع "الكافر" و"الخائن"، خصوصاً أن السلاح سيكون منتشراً بكثافة.

- تردّي المضمون العداليّ القابل للتسويق الدوليّ لبعض القضايا العربيّة، والميل الى إدراج هذه القضايا في خانة الارهاب. ولنتذكّر، في هذا السياق، الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية في مناخ جريمة11 أيلول(سبتمبر) 2001،.

- تراجع الاستثمارات عندنا وفي اقتصاداتنا، إذ يصعب جدّاً أن يقبل المستثمرون على منطقة منهارة أمنيّاً، تتهدّد فيها حياة الأجانب بالخطف أو القتل أو حتّى الذبح وقطع الرأس (راجع تجربة العراق). وهذا ما يعني امتناع فرص عمل جديدة وتقلّص الفرص القائمة، ومن ثمّ المزيد من البطالة والفقر واليأس.

- ان صورة العرب والمسلمين في العالم الخارجيّ ستزداد اسوداداً، وهو ما يرتدّ، بطبيعة الحال، سلباً على مواطني بلداننا المهاجرين وعلى شروط احتكاكنا بالعالم. وبدوره، فهذا ما ستكون له، في بعض بلداننا، آثار اقتصاديّة لن تحتملها اقتصادات ضعيفة أصلاً وبعضها على شفا الافلاس.

هذه بعض نتائج الوجهة التي تسود منطقتنا اليوم، وهي، طبعاً، رهيبة وحاملة على أقصى الأسى والتشاؤم. بيد ان بعض المآسي، وعلى ما تدلّ حالات تاريخيّة سابقة وعديدة، تغري البعض بالأمل أو تدفع إليه. ذاك أن ثمّة من يفترضون دائماً، حيال معطيات كتلك، أن بلوغ الأسوأ هو المقدّمة للانتقال الى الأحسن، أو أن استنفاد الحقبة القديمة لا بدّ أن يفضي الى افتتاح حقبة جديدة تأتي مغايرة وواعدة. فأقلّه، على ما يرى هؤلاء، لا يوجد ما هو أردأ من الرداءة الراهنة. وفي المعنى هذا، لا بدّ أن يكون أيّ بديل أفضل.

لكنْ، ومع الاعتذار عن هذا التشاؤم، نزعم أن الأمور قد تتّجه الى ما هو أسوأ من هذا الأسوأ، وأن التفاؤل، تالياً، قد لا يكون في محلّه، لا اليوم ولا غداً. فكيف ذلك؟

علّة هذه الفرضيّة المتشائمة أن عناصر الجديد لم تظهر، حتى اليوم، على الإطلاق، أو بالأحرى، لم ينبت لها ريش يمكن التدليل عليه في أيّ من مناحي حياتنا. يصحّ هذا في الأفكار التي لم تلد حتّى اليوم ما يشير الى اننا قد نتجاوز الكارثة في قريب عاجل أو آجل، كما يصحّ في السياسات التي لم تغيّر أيّاً من مناهجها المعمول بها فيما المعارضات التي تتصدّى لها هي، في أغلب الأحيان، أسوأ منها. أما الإصلاحات التعليميّة والدينيّة فلا تزال في عمومها مجرّد مبادرات خجولة تقدم عليها بعض الحكومات، أو تتحرّك في نطاق نخبويّ معزول ليس ما يدلّ على تلقّف المجتمعات له بالترحيب.

وإذ يتعاظم اللجوء الى العنف تعاظُم التناسل الذي تشهده بيئة الإرهاب الأصوليّ، يتأكّد واحدنا من أن رقصة التخلّف والهمجيّة لا تزال تنتظرها مهمّات كثيرة لم تُنجزها بعد. فهناك أوطان لا تزال، الى هذا الحدّ أو ذاك، موحّدة. وهناك مجتمعات لا تزال قائمة. وهناك حريّات لا تزال النساء يتمتّعن بها، وهناك أقليّات تقلّ عدداً لكنها لا تزال حاضرة بيننا، وهناك مبادرات نقديّة، ولو قليلة، تصدر عن بضعة مثقّفين. وهناك سيّاح ومستثمرون أجانب لا يزالون يفدون، ولو بتراجُع، الى بلداننا. وهذا كلّه مرشّح للزوال.

ومن الذي يستطيع الرهان على نقض وجهة الانحطاط هذه والتعويل على غد أفضل فيما نرى ضعف الإدانة، إن لم يكن انعدامها، لمشاركة سبعة أطبّاء وتلامذة طبّ من أبناء جلدتنا في نشاط إرهابيّ كانت العاصمة البريطانيّة مسرحه؟!

كاتب لبناني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »؟؟؟؟؟ (خالد إبراهيم)

    الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2007.
    لم أستطع فهم وجهة نظر الكاتب... خلط بين كثير من الأوراق منها على الأقل أن هناك دولة في العراق أو فلسطين أو أن هناك مستثمرون في العراق. هل العراق دولة أو حتى دولة محتلة؟؟
    من أهم المشاكل على ما يبدو التي تقود للإرهاب وجود "بعض" الحقوق للمرأة ... فهل للرجال (الذكور) أي حقوق....
    لا أستطيع أن أتم... فلست كاتبا بارعا كسيدي الكاتب..