منار الرشواني

مذبحة الأطباء

تم نشره في الاثنين 9 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

خلف الصورة التي باتت مقبولة ومنطقية منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، بأن كل عربي ومسلم هو إرهابي أو مرشح إرهابي في أحسن الأحوال، ثمة كثير من التساؤلات التي تثيرها الآن، أسوة بغيرها، المحاولات الإرهابية الفاشلة في لندن وغلاسكو بشكل عام، وضمن ذلك اتهام شبكة من الأطباء المسلمين بالتخطيط لهذه المحاولات.

فمنذ العام 2005، بات المواطن البريطاني في مواجهة سنوية، بمثابة إحياء ذكرى، مع خطر الإرهاب الإسلامي. فقبل عامين كاملين تماماً، وتحديداً في 7 تموز 2005، كانت تفجيرات مترو الأنفاق في لندن، وبعد ذلك بسنة أيضاً، كان "إفشال" ما اصطلح على تسميته "مذبحة الجو" في آب 2006، ليعقبها بعد سنة أيضاً، أي تموز 2007، اعتقال شبكة من الأطباء المسلمين الإرهابيين، ولربما الانتحاريين، الذين خططوا لتفجير سيارات مفخخة في لندن وغلاسكو باسكتلندا.

وباستثناء تفجيرات مترو الأنفاق التي حصدت أرواح 52 شخصاً إضافة إلى إصابة أكثر من 700 آخرين، يمكن رؤية المناسبة السنوية البريطانية من زاوية أخرى، أي باعتبارها نجاحاً للأجهزة الأمنية البريطانية، مع ضمان تذكير الشعب البريطاني بالخطر الإسلامي القادم من الداخل والخارج.

لكن ألا تبدو هذه الصورة غير منسجمة أبداً من ناحية الفعالية مع تاريخ المواجهة العسكرية والأمنية البريطانية مع الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي استطاع يوماً الوصول إلى اجتماع لمجلس الوزراء البريطاني وقصفه بنجاح تام؟! أما السؤال الآخر فهو: ماذا حل بالـ24 مشبوهاً الذي أوقفوا في إطار "مذبحة الجو"، وأي تهم وجهت إليهم، وأي محكمة مثلوا أمامها؟

التساؤل الثاني الذي تثيره الهجمات الإرهابية، ولا سيما الفاشلة منها، على بريطانيا هو المستوى الرفيع، بل والرفيع جداً لأعضاء تنظيم القاعدة، المخططين والمنفذين على السواء.

فـ"مذبحة الجو"، بتفجير خمس طائرات متجهة إلى كل من نيويورك وبوسطن وتشيكاغو ولوس أنجلوس وواشنطن، كان يفترض أن تتم باستخدام "متفجرات سائلة أو على شكل جلّ داخل أوعية للمشروبات وتفجيرها عن طريق وميض كاميرا تستخدم مرة واحدة"! أما تفجيرات لندن وغلاسكو الأخيرة، فالمخططون لها ومنفذوها هم أطباء أو ممن يعملون في مجال الرعاية الصحية في بريطانيا. بعبارة أخرى، يصلح تنظيم القاعدة وفقاً "للحقائق!" السابقة أن يكون بعد ذلك تجمع نوابغ، لا يكاد يكون له نظير ربما حتى بمقارنته بأعتى الجامعات الأميركية والبريطانية، تمويلاً وعراقة!

لكن ألم يكن محمد عطا، قائد هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك، ألمعياً فذاً بشهادة أستاذه الجامعي الألماني؛ فلم لا يكون بين أعضاء تنظيم القاعدة أطباء وخبراء يرتقون إلى مستوى علماء في الكيمياء وغيرها؟

منطقية هذا السؤال أو المحاججة، تقود منطقياً أيضاً إلى التساؤل عن الأسباب التي تدفع شباباً يبدو المستقبل بالنسبة له أكثر من واعد للانخراط في تنظيم يمكن القول بكثير من الثقة أن الغالبية العظمى من العرب والمسلمين لا تؤيد أساليبه التي تطال الأبرياء، أياً كان دينهم وعرقهم؟

سمع البريطانيون الإجابة من قبل عبر رسالة من زعماء الأقلية المسلمة في بريطانيا في آب 2006، كما سمعوها من المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية بلندن عبر دراسة علمية عقب تفجيرات تموز 2005، وهذه الإجابة باختصار: "سياسة بريطانيا غير النزيهة" واستهتارها بالإنسان العربي والمسلم.

والمسألة هنا ليست دفاعاً عن الإرهابيين (والحديث ليس عن شبكة الأطباء تحديداً لأن ثمة كثيراً من الشكوك بشأن صدقية اتهامهم)؛ بل لأنه في أحداث لندن وغيرها، السابقة واللاحقة، تكون المذبحة الحقيقية، المادية والمعنوية، بحق العرب والمسلمين قبل غيرهم: أولاً، عندما يتحول بعض شبابهم إلى إرهابيين؛ وثانياً، عندما يُساء إلى صورة العرب ككل بعد ذلك، باعتبارهم قتلة للأبرياء والآمنين.

وحتى تتوقف النتيجة الثانية، لا بد من العمل على وقف النتيجة الأولى، استئصال البيئة التي تحيل أنباءنا وإخوتنا إلى إرهابيين، وهذه مهمة المجتمع الدولي بقدر ما هي مهمة الدول العربية والإسلامية.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق