الاعتدال العظيم

تم نشره في الأربعاء 4 تموز / يوليو 2007. 03:00 صباحاً

لقد مر عقدان من الزمان منذ أصبح ألان غيرنسبان رئيساً لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. وخلال تلك الأعوام شهد العالم أسرع معدل لنمو متوسط الدخل العالمي على الإطلاق، علاوة على بضع حالات انكماش قليلة تسببت في ارتفاع غير عادي في معدلات البطالة، أو حالات تضخم قليلة تسببت في ابتلاع الثروات. وخلال هذه المدة لا نستطيع أن نعدد من كوارث الاقتصاد الشامل الحقيقية، ذات الحجم الذي كان شائعاً على نحو محزن طيلة العقود السابقة، سوى فترة العقد ونصف العقد من الزمان التي ضاعت من اليابان والمصاعب التي صاحبت التحول عن الشيوعية.

لم يكن هذا "الاعتدال العظيم" متوقعاً حين تولى ألان غيرنسبان منصبه. بل لقد كانت السياسة المالية الأميركية آنذاك عُرضة للخطر بشكل كامل ـ أكثر مما هي عليه الآن.

كانت الهند تبدو غارقة في الركود، وكانت الصين تنمو، إلا أن مستويات المعيشة المتوسطة هناك لم تكن تشهد زيادة واضحة عن نظيراتها أثناء فترة "الأعوام الذهبية" المزعومة في أوائل الخمسينيات، بعد إعادة توزيع الأراضي وقبل أن يتسبب العمل الجماعي القسري في تحويل الفلاحين إلى أقنان أرض. وكانت معدلات البطالة الأوروبية تشهد ارتفاعاً حاداً آخر، وكانت الدول"الاشتراكية" غير متوافقة مع التنمية الاقتصادية العقلانية إلى الحد الذي جعل أنظمتها السياسية تنهار خلال عامين. أما أميركا اللاتينية فقد كانت تمر بعقد ضائع من الزمان بعد أزمة الديون التي شهدتها في أوائل الثمانينيات.

مما لا شك فيه أن السنوات التي أعقبت العام 1987 لم تمر بدون صدمات اقتصاد شامل كبرى. فقد تدهورت سوق الأوراق المالية الأميركية لأسباب فنية في خريف ذلك العام. كما أدى غزو صدّام حسين للكويت في العام 1991 إلى إصابة سوق النفط العالمي بالصدمة. وانهارت آلية سعر الصرف الثابت في أوروبا في العام 1992. ثم شهدت بقية ذلك العقد أزمات متفرقة مثل أزمة البيزو المكسيكي في العام 1994، وأزمة شرق آسيا في الفترة من 1997 إلى 1998، ومتاعب في البرازيل، والأرجنتين، وتركيا، وأماكن أخرى من العالم، فضلاً عن بداية الألفية الجديدة بانهيار فقاعة شركات الإنترنت في العام 2000، والتوابع الاقتصادية التي ترتبت على الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

فضلاً عن ذلك فإن الخلل في التوازن العالمي اليوم وأسعار الصرف الحقيقية المنحرفة لا تهدد العالم بفترة معتدلة من الركود الاقتصادي فحسب، بل إنها تهدد بفترة مطولة من الكساد. ولكن حتى الآن لم تتسبب أي من هذه الأحداث في وقوع أزمة مطولة ـ باستثناء اليابان بداية من أوائل التسعينيات، وحالات الإخفاق التي صاحبت التحول في البلدان الواقعة إلى الشرق من بولندا.

ساق خبراء الاقتصاد ثلاثة تفسيرات لعدم تسبب كوارث الاقتصاد الشامل في المزيد من المعاناة الإنسانية أو تعطيل النمو الاقتصادي بعيد الأمد طيلة الجيل الماضي. أولاً، يزعم بعض خبراء الاقتصاد أننا كنا محظوظين لا أكثر، ذلك أنه لم يحدث أي تغيير هيكلي قد يتسبب في جعل اقتصاد العالم أكثر مرونة وتحملاً. وطبقاً لوجهة النظر هذه فقد رمينا بالنرد على طاولة القمار ببساطة وخرجنا فائزين خمس مرات متوالية. وهذا يعني أننا لابد وأن نكون سعداء وشاكرين، إلا أننا لا ينبغي لنا أبداً أن نتوقع استمرار مثل هذا الحظ غير العادي.

التفسير الثاني يقول إن محافظي البنوك المركزية قد تعلموا أخيراً كيف يقومون بوظيفتهم. فطبقاً لهذه النظرية، كان محافظو البنوك المركزية قبل العام 1985 يغيرون أهدافهم من عام إلى آخر. فربما كانوا يسعون في أحد الأعوام إلى السيطرة على التضخم، إلا أنهم في العام الذي سبق ذلك العام كانوا يسعون إلى خفض معدلات البطالة، وربما حاولوا في العام التالي تقليص تكاليف إعادة تمويل الدين الحكومي، وربما ينشغلون في العام الذي يليه بالإبقاء على سعر الصرف عند القيمة التي يفضلها أسيادهم من الساسة، أياً كانت تلك القيمة.

كان الافتقار إلى بُعد النظر في اتخاذ القرار من جانب محافظي البنوك المركزية يعني ترنح السياسة الاقتصادية بين التوقف إلى الحركة الى المسارعة الى التباطؤ. وحين نضيف ذلك إلى الصدمات الطبيعية التي نالت من الاقتصاد العالمي، فقد كان هذا النوع من الافتقار إلى بُعد النظر، باعتباره مصدراً للتقلب المزعزع للاستقرار، سبباً في عدم استقرار العالم قبل العام 1987 على النحو الذي دفع العديد من الخبراء إلى التساؤل عما قد يدفع شخصاً مثل ألان غيرنسبان ـ الذي لم يعمل في الحكومة سابقاً إلا لمدة عامين ـ إلى الرغبة في تولي مثل ذلك المنصب.

أما التفسير الأخير فيرى أن الأسواق المالية قد هدأت أخيراً. فاليوم يتبنى المال الذكي في الأسواق المالية نظرة بعيدة الأمد مفادها أن أسعار الأصول تشير في أغلبها إلى توقعات عقلانية تؤكد انخفاض القيم الأساسية لهذه الأصول في المستقبل. قبل العام 1985، وعلى النقيض من ذلك، كانت الأسواق المالية تخضع بشكل كامل لهيمنة سلوك القطيع من جانب المضاربين على الأمد القصير، وهم الذين لم يسعوا إلى تحديد الأساسيات، بل كان منتهى سعيهم يتلخص في التكهن بتوقعات الرأي المتوسط بشأن ما قد يتوقعه الرأي المتوسط، والتكهن بذلك قبل أن يتكهن به الرأي المتوسط. وعلى هذا فقد كان محافظو البنوك المركزية منهمكين في محاولة السيطرة على اقتصاد عالمي مصدوم بفعل تغيرات عشوائية طارئة على المشاعر الحيوانية لدى المستثمرين والمضاربين.

حين أتناول هذه القضية بالفحص فإنني لا أجد دليلاً يؤيد النظرية الأولى. ذلك أن حظنا لم يكن طيباً منذ العام 1985. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فأنا أظن أن حظنا كان في واقع الأمر سيئاً نسبياً ـ إذا ما قيس إلى حجم القطاع الخاص والصدمات الأخرى التي ضربت الاقتصاد العالمي.

كما لا أرى أي دليل على الإطلاق يؤيد التفسير الثالث. فإنه لمن اللطيف أن تكون أسواقنا المالية قد أصبحت أكثر عقلانية مقارنة بالأسواق المالية في الأجيال التي سبقتنا. إلا أنني لا أجد أية تغيرات مؤسسية قد تكون سبباً في اكتساب أسواقنا المالية المزيد من التعقل.

وعلى هذا فإنني أميل إلى تأييد النظرية التي تؤكد أن محافظي بنوكنا المركزية قد اكتسبوا المزيد من المهارة، والمزيد من بُعد النظر، وأصبحوا أقل ميلاً إلى التأثر بسادة عالم السياسة الذين يواظبون على نحو غير متوقع إلى تغيير أهدافهم التي يفترض أن يسعوا إلى تحقيقها من عام إلى عام. وإننا لنأمل أن يستمر الوضع الحالي لمدة طويلة.

جيه. برادفورد ديلونغ أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكان فيما سبق يشغل منصب مساعد وزير خزانة الولايات المتحدة أثناء ولاية كلينتون.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق