د.باسم الطويسي

باراك وبيريز في اليوم التالي

تم نشره في الأربعاء 20 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

لم تكن مفاجأة أن تتزامن أحداث الاقتتال الفلسطيني في غزه وما آلت إليه من أوضاع قاسية تهدد مصير الشعب الفلسطيني، وتضع حركته نحو التحرر الوطني على المحك، مع صعود شمعون بيريز إلى أعلى هرم الدولة الإسرائيلية في مهمة رمزية إسرائيل بأمس الحاجة إليها، وستكون خلاصة تجارب بيريز وخبراته في هذا الموقع، في الوقت الذي تسلم فيه الجنرال السلام ايهود باراك(وزارة الدفاع) الإسرائيلية، الأمر الذي يحمل ملامح اليوم التالي إسرائيلياً.

ايهود باراك قد يكون بطل المهمة المقدسة لإعادة الهيبة للجيش الإسرائيلي بعد ما نال الأخير من خيبة في حرب تموز الأخيرة، بينما ستضع المؤسسة السياسية الإسرائيلية على كاهله مهمة استكمال الإنهاك السياسي والاستراتيجي للفلسطينيين عبر خطة جديدة- قديمة؛ قدم الفلسطينيون بعد أن حطموا البوصلة والخارطة على شواطئ بحر غزة التهيئة المناسبة لها على كافة الصعد.

وستشكل ملامح اليوم التالي في الأراضي المحتلة وفي الامتدادات الإقليمية المعروفة، بمعنى فرض الرؤية الإسرائيلية للحل، حيث يبدو سيناريو جدول الأعمال الإسرائيلي متمثلاً في مهمة باراك- بيريز القادمة وأهم ملامحها المحتملة تكريس الأمر الواقع في الانفصال بين غزة والضفة الغربية، وهدم كل الجسور التي يمكن أن تشيد بين السلطتين، مع استمرار الحصار والإنهاك على المستوى الشعبي الذي يستثمر واحدة من أحقر وسائل التركيع السياسي في التاريخ، حيث من المحتمل أن ينهار الاقتصاد المحلي في قطاع غزة خلال أقل من شهرين، بينما سوف يستثمر ايهود باراك خبراته الاستخباراتية واستمرار واقع القطيعة الفلسطيني في التغلغل في عمق الشارع الفلسطيني وفي أحشاء المخيمات الأمر الذي سيزيد تأزم الأحوال إلى حد لا يطاق على المستوى الإنساني والسياسي، أي ان الأمر سيتجاوز مسائل الكاز والغاز والوقود وانهيار ما يسمى اقتصاد الصمود، الى عمليات استخباراتية تجعل الاخوة والرفاق يتفقدون رؤوسهم في كل لحظة، بينما ستكون غزة مهيأة في أي لحظة للاجتياح؛ يعني السيناريو الثاني تفاهات من مستوى آخر مع قيادات حماس، وبرنامج عمل منفصل في الضفة الغربية يشمل تطورات جريئة في موضوع القدس والمسجد الأقصى والجدار العازل والمستوطنات، هناك ستة شهور على أقصى تقدير ستتمكن إسرائيل خلالها من تدمير فكرة الدولة الفلسطينية في الأذهان وعلى الأرض وان تمحوها من خرائط الحل النهائي.

ايهود باراك قادر على فتح جبهة في الشمال واستدراج حزب الله لمواجهة جديدة لا يعلم إلا الله حدودها هذه المرة، وجبهة أخرى في الجنوب عبر عمق غزة؛ ولا يعني ذلك ان النتائج ستأتي على مسطرته في كل مرة، ولكن ستكون خارج قياسات المسطرة الفلسطينية بالتأكيد، ما لم يخرج الفلسطينيون من حالة التقاسم الجغرافي والسياسي الخطيرة، في حين يملك باراك القدرة على هندسة العمليات السياسية تحت نار المدافع وبدونها. وبالمناسبة الجنرال الإسرائيلي أكمل دراساته العليا في التحليل الهندسي الاقتصادي، وهنا؛ يمكن النظر الى الاستدارات السياسية والاستراتيجية الإقليمية التي بدأت في هذا الوقت، وتحديداً على الجبهة السورية ووضعها في موقعها المناسب من كل هذه التطورات والمواقف المحتملة.

هذا الرجل "يهود باراك" ينتمي في التحليل السيكولوجي للقيادة الى مدرسة تعاني من "عقدة الذئب" أي الرغبة في التفرد والأحادية والحسم ومشاغلة اكثر من فريسة في نفس الوقت.

بدأ خدمته العسكرية عام 1959 وبعد اقل من عشر سنوات(1967) اصبح رئيساً لقسم الاستخبارات، وقاد كتيبة دبابات في عمق جنوب سيناء عام 1973 وفي عام 1982 كان باراك رئيساً لقسم التخطيط، وخلال حرب 1982(عملية سلامة الجليل) كان الميجر جنرال نائباً لقائد القوات الإسرائيلية في لبنان، وبعد ان اصبح برتبة جنرال عين رئيساً لهيئة الأركان، وكان له الدور الكبير في عملية اعادة انتشار القوات الإسرائيلية بعد (اتفاق غزة– أريحا) مع الفلسطينيين، وله دور مركزي في معاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية وفي المباحثات مع السوريين، وفي عهد حكومة (1999- 2001)، وصلت محاولات التسوية السياسية الى لحظة فارقة ثم انهارت في لحظة واحدة، كما هو معروف.

المهم، يلتقي ايهود اولمرت الأول مع ايهود الثاني في هذا الوقت لإضافة قوة دفع هامة للحكومة الإسرائيلية، تجعل الثاني الرقم الأهم والأصعب في المعادلة الإسرائيلية الداخلية. فهناك فرصة ثمينة لإعادة تأهيل ما كان يسمى التراخي السياسي الإسرائيلي في المرحلة الأولى من عهد حكومة اولمرت، نقطة القوة الأخرى تتمثل في وجود النجم الإسرائيلي وآخر حكماء الرعيل الأول شمعون بيريز على راس الدولة، ومن الطبيعي ان تؤول اليه مهمة العلاقات والتسويق السياسي لبرنامج اليوم التالي الإسرائيلي، كيف لا وأمام العجوز المحترف فرصة ذهبية للاستفادة من كل خبراته التاريخية في هذا الشأن.

سنشهد خلال المرحلة القادمة مبادرات ثقافية ومحاضرات في أرقى الجامعات وبرامج تعاون وتفاهم ستمهد لآخر الفرص التاريخية أمام مشروع شمعون بيريز أي مشروع مستقبل الدولة الإسرائيلية في صيغته الجديدة، الإقليم الجديد، تسويات من نوع آخر، كيانات أخرى، مداخل عبر فوهات المدافع بالتوازي مع الثقافة والإعلام والاقتصاد وفتح الشهية، لجنة الشرق الأوسط القادمة، حركة تدوير كبرى في المواقف والمحاور الإقليمية بانتظار التنفيذ وربما بدأت.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق