كفاح البنك الدولي ضد الفساد مستمر

تم نشره في السبت 16 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

كانت الاضطرابات الأخيرة التي أحاطت باستقالة بول وولفويتز من منصبه كرئيس للبنك الدولي سبباً في تسليط الضوء على الحاجة إلى مواصلة السير قدماً في تنفيذ الأجندة التي تبناها البنك، فيما يتصل بالحكم الصالح ومحاربة الفساد. ولا تقتصر أهمية هذا الأمر على تحقيق مصلحة البنك الدولي ذاته، بل إن أهميته تتجاوز ذلك إلى رعاية مصالح الفقراء في الدول النامية، والذين يفتقرون إلى القدرة على الوصول إلى الخدمات العامة والفرص في حياة أفضل، بسبب رداءة الحكم، وانتشار الفساد والكسب غير المشروع.

يرى بعض المراقبين أن رحيل رئيس البنك جاء نتيجة للجدال والضجيج بشأن أجندة محاربة الفساد التي تبناها. إلا أن هذا غير صحيح. ذلك أن أزمة الزعامة لم تعكس ضعفاً في الالتزام بأجندة الحكم الصالح، سواء من جانب مسؤولي البنك أو من جانب الدول والجهات المساهمة التي نعمل معها. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فأجندة الحكم الصالح ومحاربة الفساد تسبق وجود أي شخص على رأس مؤسستنا، وتستمر إلى ما بعد رحيله.

لقد بدأ البنك تركيز جهوده على تحسين الحكم ومحاربة الفساد منذ عشرة أعوام. ففي العام 1996، وفي انتهاك شجاع للحظر المفروض على ذكر كلمة "الفساد"، تحدث رئيس البنك آنذاك، جيمس وولفنسون، عن "سرطان الفساد" باعتباره العبء الأساسي الذي يتحمله الفقراء في الدول النامية.

وطيلة العقد الماضي، كان تحسين الحكم ومحاربة الفساد يشكلان أولوية قصوى بالنسبة للحكومات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمجتمع الدولي. ويتضح ذلك في المبادئ التي يطبقها البنك الدولي حين يقرض أي دولة. فقد بلغت القروض التي استهدف بها البنك الحكم الصالح، وما يتصل به من مناطق، ما يقرب من 4.5 بليون دولار أميركي، أو حوالي 20% من إجمالي القروض التي وافق عليها البنك أثناء هذه الفترة.

إن الفساد يشكل عقبة كبرى أمام التنمية الاقتصادية، ويبدد في كل عام بلايين من الدولارات التي كان من الممكن استغلالها، لولا الفساد، في تقليص الفقر وتعزيز النمو الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، قدرت دراسة حديثة قام بها البنك، تحت مسمى "الأوجه المتعددة للفساد"، أن قطع الأشجار بصورة غير قانونية تترتب عليه خسائر سنوية تبلغ حوالي عشرة بلايين دولار أميركي في قطاع الغابات. كما يتسبب تغيّب المدرسين، الذي يشكل جانباً رئيساً من جوانب الفساد في التعليم، في خسائر مباشرة قد تصل إلى ربع الإنفاق العام على التعليم الابتدائي في الدول النامية.

إن تحسين الحكم ومحاربة الفساد يساعد الدول على توفير الخدمات الأساسية على نحو أفضل، وخلق فرص النمو والتوظيف لصالح الفقراء. وهذا هو السبب الذي يدفعنا إلى دعم وتعزيز إشراف المواطنين والهيئات الرقابية على الموارد العامة في بلدان مثل تنزانيا، علاوة على دعم الفقراء، وخاصة النساء منهم، في الجهود الرامية إلى اكتساب القدرة على الاستعانة بالنظام القضائي، من خلال تكوين المحاكم المتنقلة، كما نفعل الآن في غواتيمالا. ومن تعزيز المؤسسات الرقابية في إفريقيا إلى إحكام إجراءات تشغيل العمالية في آسيا، تشكل وظيفة البنك في محاربة الفساد واقعاً يومياً.

في العشرين من آذار 2006، وافق مجلس إدارة البنك -الذي يمثل كل الدول تقريباً- بالإجماع على تبني إستراتيجية جديدة فيما يتصل بضمان الحكم الصالح ومحاربة الفساد. وهذه الإستراتيجية الجديدة تدفع حدود عمل البنك إلى آفاق جديدة في هذا المجال. وكانت هذه الإستراتيجية نتاجاً للتشاور المكثف مع الحكومات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، وشركاء التنمية في 47 دولة، الأمر الذي يعكس إجماعاً عالمياً غير مسبوق على الأهمية الحاسمة التي يشكلها الحكم الصالح بالنسبة لجهود تقليص الفقر في العالم.

كانت المشاورات بشأن هذه الإستراتيجية وسبل إقرارها من بين الأسباب التي أدت إلى رفع التوقعات بشأن تكثيف البنك لمعوناته المقدمة إلى الدول من أجل مساعدتها في تعزيز جهودها الرامية إلى الإعلاء من شأن الحكم الصالح، وكانت هذه الإستراتيجية قيد التنفيذ حين بدأت أزمة الزعامة في البنك.

في السادس والعشرين من نيسان 2007، شارك العاملون كافة في الشبكة المسؤولة عن تعزيز الحكم الصالح لدى البنك في كتابة رسالة مفتوحة إلى مجلس إدارة البنك ورئيسه، مفادها أن أزمة الزعامة التي ابتلي بها البنك تعمل على اضمحلال مصداقية البنك وإعاقة تنفيذ هذه الأجندة المهمة.

والآن، اطمأن العديد من الناس، بعد حل الأزمة، إلى أن البنك يستطيع أن يمارس ما يبشر به ممارسة فعلية، وليس بالقول فحسب.

بطبيعة الحال، سوف يحتاج رئيس البنك الدولي القادم إلى إعادة بناء الثقة، والوفاء بالوعود التي قطعها البنك بالعمل الجاد بالتعاون مع الدول الشريكة في النضال من أجل الحكم الصالح. والحقيقة أن دفع أجندة الحكم الصالح ومحاربة الفساد إلى الأمام يشكل تحدياً لم يسبق له مثيل. وسوف يجد رئيس البنك الدولي القادم العديد من الحلفاء في هذه الحرب، ليس فقط داخل المؤسسة، بل وأيضاً بين بليونين من فقراء العالم الذين يعيشون على أقل من دولارين يومياً.

داني ليبزيغر نائب رئيس البنك الدولي لشؤون تقليص الفقر والإدارة الاقتصادية؛ وسانجاي برادهان مدير البنك لشؤون حوكمة القطاع العام.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق