منار الرشواني

أمن الطاقة وأمن الغذاء

تم نشره في الاثنين 11 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

في العام 1798، أعلن رجل الدين الإنجليزي، توماس مالتوس، انقلاباً على الفكرة السائدة في تلك الفترة حول النمو السكاني. ففيما نظر ملوك أوروبا إلى هذا النمو باعتباره أحد أدوات تسريع النمو الاقتصادي، ناهيك عما يعنيه من عدد جنود ودافعي ضرائب أكثر، تنبأ مالتوس في كتابه المنشور في ذلك العام "مقالة حول السكان"، بأن ينتهي النمو السكاني في أوروبا إلى كارثة ومعاناة لجميع أفراد المجتمع، ولا سيما الفقراء منهم، بسبب المجاعة التي رآها مالتوس نتيجة حتمية للعجز عن تلبية الطلب المتزايد على الغذاء في ظل محدودية الانتاج الغذائي المحكوم بمساحة الأراضي القابلة للزراعة.

اليوم، يبدو أن أصداء نبوءات مالتوس عادت للظهور من جديد، وطہعاً مع لأمل في أن يكون مصيرها إما كان بل أكثر من مائتي عام، أ الفشل، بفضل الثورة الزراعية والتقنية التي شهدها العالم منذ ذلك الوقت. ما السبب الرئيس لإحياء @لمالتوسة في مطلع القرن الحادي ہالعشرين  فليس النمو السكاني، وإنما أساساً النمو الاقتصادي الذي أدى إلى طلب متزايد لم يسبق له مثيل على مصادر الطاقة المتوفرة، وكذلك السعي إلى خلق مصادر بديلة، لا سيما من خلال الوقود الحيوي (Biofuels).

فبحسب دراسة سي. فورد رنج وبنجامين سيناور: "كيف يمكن أن يؤدي الوقود الحيوي إلى تجويع الفقراء؟"، والمنشورة في العدد الأخير من مجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs)؛ بلغ الانتاج العالمي من (وقود) الإيثانول 9.66 بليون غالون في العام 2005؛ كانت حصة البرازيل منها 44.2% تم استخراجها من قصب السكر، مقابل 44.5% للولايات المتحدة، استخرجت من نبات الذرة. كما بلغ الانتاج العالمي من الديزل الحيوي (Biodiesel) في ذات العام، وأكثريته في أوروبا، حوالي بليون غالون مستخرجة من البذور الزيتية (فول الصويا، وزهرة عباد الشمس، وغيرها).

وخلافاً للاستنتاج المباشر الذي قد يتبادر إلى الذهن، فإن مخاطر مصادر الطاقة البديلة "الحيوية" لا تتمثلأبداً -لى الأقل في المدى القصيہ والمتوءط- في إمكانية حلولها مح النفط، بما يمس إيرادات الدول اءمصدرة، ہخصوصاً الدول العربية ال$فطية منdا. إذ كما تشير ذات الدراسة، فإنء حتى في حال استخدام كام محصول لذرة في الولايات المتحدة لإنتاج الإيثانول، فإن الوقود المتولد سيغطي 12% فقط من الاستهلاك الأميركي. الخطر الحقيقي الناجم عن الوقود الحيوي، والذي ربما تكون مؤشراته قد بدأت بالظهور فعلاً، إنما يتعلق بالأمن الغذائي.

فوفق الدراسة الصادرة عن "المعهد العالمي لأبحاث سياسة الغذاء" بواشنطن، في تشرين الثاني الماضي، حول "الطاقة الحيوية والزراعة"، يتوقع الباحثون أن يؤدي الانتاج المتزايد للوقود الحيوي، ووفق أفضل السيناريوهات المتاحة (أي تغيير أساليب الإنتاجية الزراعية، واستخدام السليلوز)، إلى ارتفاع أسعار الذرة العالمية بنسبة 23% في العام 2020، فيما سترتفع أسعار القمح في ذات العام بنسبة 16%. أما استناداً إلى أسوأ السيناريوهات (أي استمرار الوضع الحالي)، فستبلغ نسبة الزيادة في أسعار الذرة 20% بحلول العام 2010، لتصل إلى 41% بحلول العام 2020. فيما سترتفع أسعار القمح بنسبة 11% بحلول العام 2010، وبنسبة 30% بحلول العام 2020.

وإذا كان التحذير من مالتوسية جديدة يمس العالم أجمع، ولا سيما فقراءه، يبدو العالم العربي في مقدمة المعنيين بهذا التحذير. وتكفي هنا الإشارة إلى ما يذكره التقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 2006، بأنه "بلغت قيمة الفجوة الغذائية العربية للسلع الرئيسية عام 2004 حوالي 16.1 مليار دولار، أي بزيادة نسبتها حوالي 10.8 في المائة مقارنة بعام 2003... وتمثل قيمة الفجوة في مجموعة الحبوب في عام 2004 حوالي 48.9 في المائة من قيمة الفجوة الغذائية العربية". والملفت هنا أن الحبوب والدقيق شهدت في العام 2004 تراجعاً في الكمية المستوردة مقارنة بالعام 2003، لكن مع ذلك ازدادت قيمتها مقارنة بين العامين.

ربما آن الأوان أن يفكر العرب في رد الاعتبار للتكامل العربي الشامل، في قطاعات الزراعة ومصادر الطاقة النفطية والبديلة وغيرها؛ تكامل لا يقوم على الفكرة الثورية التي لا تدعمها سوى الشعارات الجوفاء، بل على حقيقة أن مثل هذا التكامل أو التعاون بات شرطاً لازماً للبقاء، حكاماً ومحكومين.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق