المناورة الإسرائيلية في الملف السوري

تم نشره في الأحد 10 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

تكثفت في الأيام الأخيرة الأنباء الصادرة في إسرائيل حول مستقبل العلاقة مع سورية، وكانت في اتجاهين، أحدهما في اتجاه حرب مفترضة، لا مؤشر لها واضح ميدانيا وسياسيا، وآخر في اتجاه فرص استئناف المفاوضات السياسية بين البلدين، وفي كلا الاتجاهين فإن الأنباء متضاربة لتخلق حالة من البلبلة، تخدم بالأساس وضعية الحكومية الإسرائيلية السياسية، داخليا وخارجيا.

ويوم الجمعة الأخير، صدرت كبرى الصحف الإسرائيلية، "يديعوت أحرنوت" تحمل تقريرا أعده الصحافيان البارزان ناحوم بارنيع وشمعون شيفر، يدعي أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، حصل من الرئيس الأميركي جورج بوش، على"الضوء الأخضر" لفحص إمكانيات استنئاف المفاوضات مع سورية.

كذلك وحسب التقرير، فإن أولمرت نقل رسائل شفهية من خلال قادة تركيا وألمانيا، إلى الرئيس السوري بشار الأسد يقول فيها أولمرت، إنه "على علم بأن السلام مع سورية يلزمني بإعادة هضبة الجولان للسيادة السورية، وإنني على استعداد لتنفيذ قسطي هذا ضمن صفقة لإبرام السلام بيننا"، ثم يسأل أولمرت عن "الثمن السوري" في اتفاق كهذا.

في الحقيقة فإنه لا يمكن التعامل مع هذا التقرير كأي تقرير عابر، وبالأساس نظرا لكون الصحافيين بارنيّع وشيفر، يعتبران مصدرا إعلاميا جديا في إسرائيل، ولهذا فإن الانطباع السائد أن هذا النبأ صدر بقرار من أولمرت نفسه، عبر أحد مقربيه، حتى وإن سمعنا لاحقا نفيا من قبل أولمرت.

وبناء على ما تقدم، فهناك عدة احتمالات لمبادرة "الكشف" عن هذه المعلومات، وفي هذه المرحلية بالذات، التي تواصل سورية فيها دعوتها لاستئناف العملية السياسية، في حين ان إسرائيل لا تبدي أية نية حقيقية للدفع في اتجاه هذه المفاوضات.

ولهذا فإننا أمام أربع احتمالات أساسية للمناورة السياسية الإعلامية الإسرائيلية، لا يمكن تفضيل أحدها على الآخر وقد يكون الهدف الإسرائيلي لأكثر من احتمال في آن واحد.

أولا، أن يكون هذا النبأ، محاولة ادعاء إسرائيل بأن الكرة باتت في الملعب السوري، بعد ابداء "النوايا الإسرائيلية"، بأنها على استعداد للانسحاب من الجولان، خاصة وأن الإعلام الإسرائيلي أبرز مزاعم ان سورية لم ترد بعد على العرض الإسرائيلي المعلن.

ثانيا، أن يكون شيء ما من الصدق في رسائل أولمرت، ولهذا فإن إسرائيل تسعى إلى "احراج" سورية والضغط عليها بإعلان موقفها من المطالب الإسرائيلية المعلنة في هذه المرحلة، وهي "فض التحالف مع إيران وحزب الله اللبناني والفصائل الفلسطينية التي مركزها في سورية"، علما ان مطالب إسرائيلية استراتيجية أخرى كانت قد طرحت في جولات سابقة من المفاوضات، التي كانت آخرها في ربيع العام 2000، في الولايات المتحدة، بين رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود براك، ووزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع.

وقبل الدخول في باقي الاحتمالات، فإن السؤال المركزي أمام هذين الاحتمالين، هل فعلا معنية إسرائيل بالانسحاب الكامل من هضبة الجولان السورية المحتلة، والجواب على هذا هو ما يجري ميدانيا في الجولان، من تكثيف لمشاريع الاستيطان، فنحن اليوم نتحدث عن 33 مستوطنة مأهولة بالمستوطنين، وأربع مستوطنات للاستجمام والسياحة، وثلاث مستوطنات قيد الإنشاء، وهذا إلى جانب مشاريع بنى تحتية ضخمة بتكلفة عشرات، ولربما مئات، ملايين الدولارات سنويا.

ففي الأسبوع الماضي، الذي زعم فيه أولمرت رسميا، بأن "وجهة إسرائيل هي السلام مع سورية"، أعلنت وزارة البنى التحتية ووزارة المواصلات في حكومته عزمها استبدال كافة الجسور المؤقتة على نهر الأردن، والمؤدية إلى هضبة الجولان المحتلة، بجسور إسمنتية ضخمة وثابتة.

وهذا إلى جانب استمرار صدور الإعلانات التجارية التي تحفز المستوطنين على السكن في هضبة الجولان، ليحصلوا على إمتيازات مالية ضخمة، ترفع من مستواهم المعيشي بشكل كبير.

أما الاحتمال الثالث فهو أن إسرائيل تريد لهذا النشر، أن يكون ورقة ضغط على الجانب الفلسطيني، وكأن أي تقدم في المفاوضات مع سورية، لن يخدم تقدم العملية السياسية أمام الفلسطينيين، بزعم ان إبرام اتفاق سلام مع سورية، قبل فلسطين، سيُضعف الملف الفلسطيني، وهذا حسب حوارات إسرائيل الداخلية، التي لا تدعمها أية تصريحات فلسطينية في هذا الشأن.

وما يعزز هذا الاحتمال، هو أن كل نبأ صادر في إسرائيل حول فرص استئناف المفاوضات مع سورية، يتم تذييله بتقديرات إسرائيلية، تزعم بعدم وجود "شريك فلسطيني" قادر على دفع العملية السياسية للأمام، وكأن قرار الدفع هو فلسطيني، وليس الجانب الإسرائيلي الذي يمارس الاحتلال ويمسك بغالبية الأوراق، إن لم تكن كلها.

وقد يكون أن الغرض من هذه المناورة لحسابات داخلية إسرائيلية، وهذا هو الاحتمال الرابع، بمعنى ان أولمرت يريد الظهور أمام الساحة الإسرائيلية وكأن لديه أجندة سياسية، وأنه يمارس عمله السياسي الطبيعي، على الرغم من التهديد على مستقبله السياسي بسبب التقرير المرحلي للجنة فحص مجريات الحرب على لبنان، واقتراب موعد صدور التقرير النهائي لهذه اللجنة، "لجنة فينوغراد"، وأيضا بسبب ملفات الفساد، التي تراجع الحديث عنها في الأسابيع القليلة الأخيرة، وقد تظهر مجددا في أية لحظة، أو أن أولمرت جاد فعلا، ولهذا فقد أطلق بالون تجارب لحصر وفحص رد فعل الشارع الإسرائيلي، وحتى رد مركبات حكومته.

من ناحية الشارع الإسرائيلي، فإنه يعايش منذ سنوات طوال حالة من البلبلة، ويعاني من عدم وضوح الرؤية، وهذا ينعكس في حالة تبعثر وتفكك الخارطة السياسية الإسرائيلية وغياب حزب كبير ومتماسك، واضح الرؤية، ولهذا فمن الصعب الآن تقييم رد الفعل المستقبلي للشارع الإسرائيلي في حالة استئناف المفاوضات مع سورية، بمعنى مدى رفضه وقبوله لاتفاق بين الجانبين، فهذا الشارع كثير التقلبات، وهو أسير لأجواء عامة تخلقها له عوامل داخلية وخارجية، وخاصة الموقف الأميركي.

أما من حيث موقف الأحزاب الإسرائيلية، خاصة المشاركة في الحكومة، فإنه نظرة سريعة لمواقفها تخلق انطباعا وكأنه لا توجد أكثرية برلمانية لدفع العملية السياسية مع سورية، ولكن بقراءة متأنية لمواقف هذه الأحزاب، فإن الصورة ليست بالضبط هكذا، وهناك أحزاب يمينية، حتى متطرفة، أطلقت في الآونة الأخيرة، سيناريوهات، في إطار ما اعتادت إسرائيل عليه، وهو محاورة نفسها بنفسها، وتجاهل الطرف الآخر المركزي والمقرر في المفاوضات.

فمثلا يقترح الوزير المتطرف أفيغدور ليبرمان، "أن تعترف إسرائيل من حيث المبدأ أن هضبة الجولان سورية، ولكن أن تتفق مع سورية على استئجار القسم الأكبر من أراضيها لفترة طويلة".

كذلك فإن الشخصية اليمينية الأبرز في هذه المرحلة، بنيامين نتنياهو لا يستطيع أن يتهرب من حقيقة انه حين كان رئيسا للحكومة أبدى استعدادا لانسحاب "كبير جدا" من الهضبة ضمن اتفاق مستقبلي مع سورية.

تقترب الحلبة السياسية الإسرائيلية في هذه الأيام من مرحلة حسم جديدة لمستقبل حكومة إيهود أولمرت، لدى صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد، في نهاية شهر تموز (يوليو) أو مطلع آب (أغسطس) المقبلين، فحيثيات هذا التقرير ستحكم على مصير أولمرت السياسي في كلا الاتجاهين، وقبل هذا فإنه من المستبعد جدا أن تكون حكومته قادرة على أي تحرك سياسي جدي، على المسارين الفلسطيني والسوري.

صحافي وكاتب فلسطيني- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق