د.باسم الطويسي

اكبر عملية تضليل في التاريخ

تم نشره في الأحد 10 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

واخيرا، أعلنت الناشطة الأميركية المناهضة للحرب في العراق، سيندي شيهان، استقالتها من المهمة التي تبدو لهذا الوقت مستحيلة، جاء ذلك في إعلان عودتها إلى البيت، والتوقف عن الاستمرار في الحملة المعارضة للحرب التي بقيت تقف على واجهتها منذ عام 2004 بعد مقتل ابنها "كيسي" في العراق، موجهة انتقادات حادة للحزبين الديمقراطي والجمهوري معا في رسالة تعصرها الحسرة والمرارة لم يسلم منها حتى الناشطون في حركة مناهضة الحرب الذين اتهمتهم باستغلال معارضة الحرب لاهداف انتخابية ومصالح انتهازية.

بكل بساطة، كل ما يقال عن اتساع قاعدة المعارضة في الشارع والمؤسسات الأميركية للحرب في العراق يبدو في لحظة وكأنه مجرد أحد أساليب الدعاية الأميركية التي تعمل على إبقاء الشارع بعيدا عن تداعيات هذه الحرب وأسرارها وصفقاتها المريبة، حتى صعود الحزب الديمقراطي في الانتخابات التشريعية واحتمالات وصوله إلى البيت الأبيض لا يفسر من قبل العديد من الاتجاهات التحليلية بالموقف من الحرب بالدرجة الأولى، فهناك غياب حقيقي وواضح للرأي  العام الأميركي حيال حرب بهذا الحجم وبهذا المستوى من الخسائر والضحايا على المستوى الإنساني.

لا يمكن تفسير هذا الغياب الا في ضوء قراء ة متأنية لواحدة من كبريات عمليات التضليل عبر التاريخ التي مارستها وسائل الدعاية والإعلام ووكالات العلاقات العامة الأميركية على مدى السنوات الماضية؛ فالأمر لا يقتصر كما يعتقد بعض العرب على حملات معركة العقول والقلوب التي وجهتها الوكالات الأميركية للعالمين العربي والإسلامي على طريقة الحملات الإعلانية لأنواع الاجبان ومستحضرات التجميل، بل المعركة الكبرى والحقيقية تمت هناك داخل المجتمع الأميركي نفسه.

تقول شيهان في رسالتها ان ابنها قتل من اجل بلد يهتم شعبه بمسابقة "اميركان ايدول" وهو برنامج مسابقات تلفزيوني يثير اهتمام الأميركيين اكثر من اهتمامهم بعدد من يقتل في العراق من الأميركيين أو العراقيين، بينما تصر المؤسسة الرسمية على ممارسة حجب إعلامي كامل على توابيت القتلى كي لا تصل صورهم للناس.

تستخدم إدارة الرئيس الأصول العلمية الأولى للدعاية الدولية في إطالة أمد الحرب في العراق واطالة أمد وجودها العسكري في المنطقة فما زالت الدروس الدعائية الأولى القادمة من زمن الحرب العالمية الثانية متأصلة في عقول رجال الإعلام والدعاية والعلاقات العامة في العالم الإلكتروني المعاصر، الأمر الذي يتيح عبر التكنولوجيا المعاصرة تنفيذ اكبر عملية سيكولوجية لادارة الشر السياسي والعسكري في التاريخ، وهي اكبر عملية في إدارة التضليل والخداع مورست على الشعب الأميركي قبل غيره.

لم تتوقف عملية التضليل الكبرى - كما هو معروف- عند الأكاذيب التي أثبتت الوقائع زيفها، وأفقدت الحرب الدائرة شرعيتها من الادعاء بامتلاك العراق أسلحة نووية إلى ربط بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة، بل استندت الدعاية الأميركية إلى تراث خبراتها وخبرات الآخرين مستثمرة الإمكانيات الهائلة التي تتيحها تكنولوجيا الاتصال المعاصرة، وعلى المستوى الأميركي اعتمدت ثلاث تقنيات دعائية تبدو واضحة، هدفها المركزي تغييب الرأي العام الأميركي عن مشهد الحرب الظالمة التي خلفت اكثر من 650 الف ضحية.

هذه التقنيات هي الصمت الإعلامي مقابل الإغراق الدعائي وفق انتقائية عالية لكل من التقنيتين ثم تقنية النغمة الشريرة والتي ورثتها من الدعاية الألمانية في الحرب العالمية الثانية واستخدمتها الولايات المتحدة ضد اليابان وضد فيتنام وتتمثل في الحرب الراهنة في تهديد وتخويف الرأي العام الأمريكي بالإرهاب وتذكيره دائما بأحداث أيلول/سبتمبر.

في الحقيقة يجب أن نعترف بأن الوقائع تدلل على ان استمرار الحرب أو توقفها ليس قصة ذات بال أو أولوية في الشارع الأميركي رغم كل ما يقال عن المأزق الأميركي القائم بالفعل هناك، ورغم كل ما تشير إليه استطلاعات الرأي العام، فالحقائق على الأرض لا تشير إلى أولوية هذه الحرب في اجندة مصالح الأميركيين.

نقول دوما إن الولايات المتحدة بلد ديمقراطي أمام شعبه فرصة لمراجعة جدية لسياساته بشكل شامل كل أربع سنوات مرة، وفي المرة السابقة تمت المراجعة وجاءت النتائج لصالح قادة الحرب، وبعد أربع سنوات أخرى لا يعني الفوز المتوقع للديمقراطيين ما نأمله في العالم العربي؛ فتأثير التضليل الممنهج مستمر ما لم تقل الرواية الأخرى من أولها.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق