منار الرشواني

صورة العرب بعد أربعين عاما على النكسة

تم نشره في الخميس 7 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

بين العام 1967 والعام 2007، جرى ماء عربي وإقليمي ودولي كثير. فـ"لاءات الخرطوم" العربية الشهيرة عقب النكسة: "لا للسلام، ولا للمفاوضات، ولا للاعتراف بإسرائيل"، صارت "نعم بالثلاثة"، إذ انتهى العرب جميعاً -ولا يكاد يخرج عن إجماعهم فريق يعتد به- إلى أن يكونوا أصحاب مبادرة سلام تطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلها العام 1967 مقابل اعتراف عربي كامل بها، وسلام حقيقي معها.

وخلال أربعين عاماً من السعي العربي إلى السلام، وعلى نفس الدرجة من الأهمية، تفجرت الارض العربية عن جامعات لا تعد ولا تحصى، حتى بات مألوفاً رؤية تظاهرات لجامعيين من كل التخصصات ومن كل الدرجات، بكالوريوس وماجستير ودكتوراة، يطالبون بفرصة عمل في زمن التخمة الأكاديمية. كما تفجر العالم عن ثورة تكنولوجية جعلت من مقولة "العالم قرية صغيرة" حقيقة يعايشها الإنسان الأبسط قبل المتعلم والأكاديمي.

لكن السؤال بعد أربعة عقود على نكسة العام 1967، وما يناهز الستة عقود على نكبة العام 1948: أي صورة للعرب المسالمين في الخارج، ولا سيما في الغرب، مقارنة بالغاصبين الإسرائيليين، وأي تغيير أحدثه أكاديميونا ومثقفونا على صعيد هذه الصورة؟

فيما يتعلق بالجانب الأميركي، الأكثر تأثيراً في المنطقة العربية والأوثق تحالفاً مع إسرائيل، يرسم "مركز بيو للأبحاث" (Pew Research Center)، في تقريره الصادر في 30 أيار الماضي، صورة تكاد تكون شاملة للتعاطف الأميركي مع العرب مقارنة بإسرائيل على امتداد السنوات الأربعين الماضية.

ففي العام 1967، أظهر استطلاع "غالوب" (Gallup) الذي أجري خلال الأيام الثلاثة السابقة على حرب حزيران وامتد إلى الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، أظهر تعاطف 45% من الأميركيين مع اسرائيل، مقارنة بـ4% من المتعاطفين مع الدول العربية، و26% من غير المتعاطفين مع أي من الطرفين، فيما لم يعبر 24% من المستطلعين عن آرائهم.

هذا الموقف سيظل ثابتاً تقريباً، وإن مع تحولات يمكن وصفها بالطارئة أو المؤقتة، طوال الفترة اللاحقة. وبحسب استطلاع "التوجهات العالمية"، والذي يجريه "مركز بيو" أيضاً، بلغت نسبة الأميركيين المتعاطفين مع إسرائيل 48% مقارنة بـ13% عبروا عن تعاطفهم مع الفلسطينيين (التعبير الذي بات يستخدم بديلاً عن "الدول العربية") في العام 2006، فيما بلغت النسبة 46% إلى 12% في العام 2004، و41% إلى 13% في العام 2002.

وإذا كانت الرؤية الأميركية تبدو سلبية أو قاتمة، إلا أن استقرارها السلبي هذا هو ما يخفف من قتامتها عند مقارنتها بالتعاطف الغربي الأوروبي، وتحديداً في فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

فبعد أن كان التعاطف مع الفلسطينيين تحديداً في الدول الثلاث يزيد عن مثيله تجاه إسرائيل خلال استطلاعي التوجهات العالمية للعامين 2002 و2004، لم يعد هذا الواقع موجوداً في العام 2006 إلا في بريطانيا، حيث تبلغ نسبة المتعاطفين مع العرب 29% مقارنة بما نسبته 24% من المتعاطفين مع إسرائيل. ففي فرنسا تساوى المتعاطفون مع الطرفين بنسبة 38% بعد أن بلغت هذه النسبة 28% إلى 20% في العام 2004، و36% إلى 19% في العام 2002 لمصلحة العرب. أما في ألمانيا فيمكن توصيف الوضع بانقلاب الرؤية من التعاطف مع العرب بنسبة 26% إلى 24% في العام 2002، ثم تساوي النسبة عند 24% في العام 2004، وصولاً  إلى تعاطف بنسبة 37% مع إسرائيل مقارنة بـ18% مع العرب!

بعبارة أوضح، فإنه فيما يستقر التعاطف مع إسرائيل في الولايات المتحدة عند نسب مرتفعة مقارنة بالعرب؛ يخسر هؤلاء، وبشكل ثابت، التعاطف الأوروبي الذي كان موجوداً، وبانحدار كبير كما في حالة ألمانيا؛ لتكون المحصلة خسارة العرب تعاطف الغرب بشكل عام.

لكن خلف هذه الصورة القاتمة، ثمة حقائق لا غنى عن إدراكها في محاولة تفسير الخسارة العربية المستمرة منذ عقود، ولا سيما على الجانب الأميركي.

الحقيقة الأولى، والتي يشير إليها تقرير "بيو" أيضاً، هو أن التعاطف الأميركي طوال عقود مع إسرائيل بقي مستقراً وراسخاً "خلال جميع الحروب في المنطقة؛ وخلال(فترات) إبرام اتفاقيات سلام وانهيارها؛ كما خلال الهجمات والهجمات المضادة من قبل أطراف(الصراع) جميعاً". كذلك، لم يكن ذا تأثير يذكر انتقال الحكومات في إسرائيل بين حزبي العمل والليكود، أو صعود حكام عرب وتراجع واختفاء آخرين، ولا حتى تصاعد تأثير حركة حماس.

أما الحقيقة الثانية الأهم في الواقع، والتي تبدو جلية من الأرقام السابقة، فتتمثل في أن نصف الشعب الأميركي كان ولايزال محايداً أو غير مبال تجاه أطراف الصراع في الشرق الأوسط، باستثناءات قليلة ترتبط بحدث معين. إذ لم يصل التأييد الأميركي إلى ما يزيد عن النصف إلا في ثلاث مناسبات، اثنتان منهما عند تعرض إسرائيل لهجوم مباشر في حالتي الصواريخ العراقية خلال حرب العام 1991(64%)، وخلال حرب الأخيرة ضد لبنان العام الماضي، والتي شملت قصفاً مكثفاً للمدن الإسرائيلية بصواريخ حزب الله (52%). أما المناسبة الثالثة، والتي بلغ فيها التعاطف مع إسرائيل بين من "سمعوا أو قرأوا عن الشرق الأوسط" نسبة 51%، فكانت مرتبطة بإكمال سحب إسرائيل جيشها من سيناء! وحتى عقب هجمات الحادي عشر من أيلول 2001، فقد ازداد الدعم لإسرائيل من 40% إلى 47% عقب الهجمات مباشرة، لكن ما لبث أن تراجع هذا التأييد إلى 41% في نيسان اللاحق.

السؤال الأخير: هل يعيش العرب فعلاً في عالم "القرية الصغيرة"، أم أنهم مصرون على مخاطبة أنفسهم بعد أن استمرأوا دور الضحية الذي يؤدونه باقتدار منذ عقود وعقود؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، كما يجب أن تكون، فإن عليهم –ضمن أشياء أخرى- أن يغيروا الصور النمطية التي يحملونها عن الآخرين كي يغير هؤلاء الصور النمطية التي يحملونها عن العرب.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق