الصين وإنجاز "بلاكستون"

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

حين حاولت الشركة الصينية تشاينا ناشيونال أوف شور للنفط شراء شركة "أونوكال" الأميركية منذ عامين أثار ذلك عاصفة سياسية في الولايات المتحدة. وحين اشترت دبي بورتس وارلد الإماراتية الشركة البريطانية "بي آند أو ستيم" للملاحة، أدى ذلك إلى المزيد من الجدال في أميركا، نظراً لمشاركة شركة "بي آند أو" في تشغيل بعض الموانئ داخل الولايات المتحدة.

قد يتصور المرء أن بلداً مثل الولايات المتحدة، التي تعاني من عجز في حسابها الجاري يبلغ800 مليار دولار أميركي سنوياً، لابد وأن تدرك أن مثل هذه الفجوة الخارجية الهائلة يستحيل تمويلها إلا ببيع الأصول، الأمر الذي يعني حصول الأجانب من أصحاب الأموال على ملكية وحق السيطرة على مؤسسات تجارية عاملة في الولايات المتحدة. ولكن يبدو أن الولايات المتحدة ـ أو الكونغرس وأجهزة الإعلام على الأقل ـ لم تدرك هذه الحقيقة. من الواضح أن الأميركيين يتمنون الحياة في عالم حيث يصبح بوسعهم انتهاج سياسات مالية ضعيفة ومولدة للعجز، والحفاظ على معدلات استثمار متوسطة يمولها رأسمال أجنبي يكتفي أصحابه بتحمل المجازفات دون فرض أي سيطرة من جانبهم على أصولهم التي يشترونها.

وقد يتصور المرء أن المستثمرين الأجانب سوف يرتعدون فزعاً حين تفرض عليهم مثل هذه الشروط فيمتنعون عن شراء الأصول الدولارية. إلا أن الأمور تجري على نحو مخالف لذلك التصور. ذلك أن أسعار النفط المرتفعة كانت سبباً في توليد عائدات ضخمة لحكومات الشرق الأوسط نتيجة لتصدير النفط، وبطبيعة الحال ما زالت هذه الحكومات راغبة في استثمار مكاسبها في أصول أميركية. ويصدق نفس القول على روسيا، حيث ترغب حكومة القِلة، فضلاً عن صندوق الاستثمار الضخم التابع للدولة الذي أسسه وزير المالية اليكسي كودرين، في استثمار عائداتها من النفط في الولايات المتحدة.

أما بالنسبة لحكومات آسيا، وأولها حكومة الصين، فإن الولايات المتحدة تظل تشكل آخر ملاذ كمستورد. ويتلخص العامل الرئيسي في استراتيجيات هذه الحكومات في تشغيل المهاجرين من الريف في تصنيع السلع المخصصة للتصدير إلى سوق الولايات المتحدة. وتخشى هذه الحكومات ألا يكون النجاح من نصيب أي سياسة تنمية بديلة قائمة على دعم الطلب المحلي. وهذا يعني أن القيم الحقيقية لعملات هذه البلدان لابد وأن تظل منخفضة نسبة إلى الدولار، وبالتالي لابد وأن تستمر احتياطياتها المستثمرة الآن في الولايات المتحدة في النمو.

من المؤكد أن كل هذا سوف ينتهي ذات يوم. وربما ترتفع القيم الحقيقية للعملات الآسيوية بصورة حادة نتيجة لانفجار التضخم في آسيا. وربما ينهار الدولار ويتمكن التضخم من اقتصاد الولايات المتحدة إذا ما قرر مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي هناك التخلي مؤقتاً عن ربط مستويات أسعار الصرف أهون ضرراً من موجة البطالة التي لابد وأن تعقب انهيار الدولار وارتفاع أسعار الفائدة بصورة حادة.

إن الحكومات التي تشترى التأمين ضد المجازفة السياسية من خلال تكديس المزيد والمزيد من الأصول الاحتياطية في هيئة أوراق مالية بالدولار، ربما تتقي بذلك بعض المخاطر. إلا أنها تظل في نفس الوقت معرضة لمجازفات أخرى، خاصة إذا ما اقتصرت استثماراتها على هذه الشريحة من الأصول، أو سندات خزانة الولايات المتحدة وسندات الشركات ذات القيمة العالية، والتي لا يمانع الساسة الأميركيون في تمليكها لأجانب. إن السندات الوطنية ليست محصنة بصورة جيدة ضد التضخم، وعلى الأمد البعيد سوف تصبح الأصول التي تقتصر على حق المطالبة بالمال دون السيطرة الفعّالة عرضة لمفترسي رؤوس الأموال. أما الحكومات الأجنبية المتعقلة ومستثمرو القطاع الخاص الذين يتمتعون بالفطنة التجارية فلابد وأن يجدوا سبيلاً إلى التنويع.

ولكن كيف؟ إن شراء سندات الدول الأخرى يعني التخلي عن هدف إبقاء القيمة الحقيقية للعملة منخفضة نسبة إلى الدولار. وشراء مؤسسات تجارية بالكامل يؤدي إلى خطب سياسية غاضبة في كونغرس الولايات المتحدة. إن الأمر يحتاج إلى منظمات وسيطة تضمن قدراً من السيطرة للمشترين الأجانب، وتسمح بالتنويع على نطاق واسع للأصول المستقرة في الولايات المتحدة، ومع ذلك تظل هذه الأصول في نظر الساسة في الولايات المتحدة أميركية مائة في المائة.

ولنتأمل هنا قضية مجموعة "بلاكستون" إن استثمار الصين ثلاثة مليارات دولار في "بلاكستون"، على الرغم من ضآلة هذا الاستثمار نسبة إلى أصول الصين الاحتياطية التي بلغت 1.3 تريليون دولار ـ والتي من المتوقع أن تصل إلى 1.5 تريليون بحلول نهاية هذا العام، ومن المرجح أن تصل إلى تريليوني دولار في وقت ما من العام 2009 ـ ليس أكثر من مجرد اختبار أولي. ففي بداية العملية سوف تكون للصين حصص ضئيلة وغير مباشرة من الملكية في عدد هائل من المؤسسات في الولايات المتحدة، ومن المفترض أن هذا من شأنه أن يمنع الاعتراضات المعتادة. وهذا يعني أن الصين سوف تكتسب قدراً من تنويع المجازفة، وبالتالي تخفف من ضغوط السعر التي أبقت مكاسبها من احتياطياتها من العملة الأجنبية منخفضة، وتتجنب التورط في متاعب سياسية. ولسوف تكسب بلاكستون قدراً إضافياً من المال، علاوة على الرسوم الإضافية.

يعتقد بعض المراقبين أن ردود الأفعال المعادية من جانب الساسة في الولايات المتحدة ضد الأجانب الذين يريدون "شراء أميركا"، هي ذاتها التي ستعمل على إنهاء الوضع الحالي من الخلل في التوازن العالمي. والحقيقة أن هذه الصفقات، كاستثمار الصين في "بلاكستون"، من شأنها أن تؤجل مثل ردود الأفعال هذه، ولكن ليس لمدة طويلة: ذلك أن ثلاثة مليارات دولار تعادل ما تجمعه الصين من احتياطيات خلال أقل من ثلاثة أيام عمل.

إن السؤال الذي يحضرنا الآن في أعقاب استثمار الصين في "بلاكستون" هو: إلى أي مدى من الممكن أن تستمر هذه العملية؟ وما هو مقدار السيطرة الذي سيجد مستثمرو الولايات المتحدة أنفسهم وقد اضطروا إلى التخلي عنه في النهاية؟

جيه. برادفورد ديلونغ أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكان مساعداً لوزير خزانة الولايات المتحدة أثناء ولاية كلينتون.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مؤسسة بروجيكت سنديكيت

التعليق