منار الرشواني

اسفندياري واعتقال الإصلاح

تم نشره في الأحد 3 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

في بلد بات أحد أهم أركان شرعية نظامه السياسي الداخلية، كما اهم أسس مساعيه الدؤوبة إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية، هو معاداة أميركا وإمبرياليتها في المنطقة؛ كان منطقياً ومألوفاً أن تكون التهمة الموجهة إلى الباحثة الأميركية-الإيرانية هالة اسفندياري (إضافة إلى الأكاديمي كيان تاجباكجي، والإعلامي نازي عزيمة)، هو التجسس لصالح الولايات المتحدة، و"محاولة قلب نظام الثورة الإسلامية في إيران" ولو عبر ثورة مخملية.

وبالتالي، كان من حق نظام الملالي توقع تأييد داخلي كما خارجي، ولا سيما من قبل بعض "النخب!" العربية القومية والإسلامية التي كانت قد سبقت إيران إلى مباركة تقديم مفكري دولها ومثقفيها على مذبح دعم الديكتاتورية نكاية بأميركا، وليس بأي حال من الأحوال لمواجهة مشروعها الإمبريالي فعلياً.

لكن ما يجعل التهمة غير معقولة وملفقة، وتأييدها بالتالي مستنكراً لا يمكن قبوله، هو أن اعتقال اسفندياري كان أقرب إلى اختطاف يمارسه خارجون على القانون منه إلى اعتقال تمارسه دولة يحكمها قانون، أيا كان نوع هذا القانون. وإلا بماذا يمكن توصيف الاعتقال بعد أربعة أشهر من التحقيقات التي بدأت فقط بعد سرقة جوازي سفر اسفندياري، الأميركي والإيراني، على يد مسلحين ملثمين أثناء توجهها إلى المطار لمغادرة إيران.

الملفت في "شبكة التجسس" المزعومة هو أن أعضاءها الثلاثة المعروفون إلى الآن هم جميعاً أميركيون من أصل إيراني، أي ذوو جنسية مزدوجة، ما يفتح المجال لتفسير الخطوة باعتبارها أحد أساليب استعراض القوة في مواجهة واشنطن، أو باعتبارهم الثمن الذي ستدفعه إيران على سبيل المقايضة لاستعادة عملاء استخباراتها الذين اعتقلتهم القوات الأميركية قبل فترة في العراق، أو حتى تعبيراً عن الصراع الذي بات ممتداً بين دعاة الانفتاح على أميركا وبين أنصار مبدأ "الشيطان الأكبر".

لكن التفسير الذي يمكن إضافته إلى ما سبق، والذي قد يكون التفسير الأهم لاعتقال "شبكة الجواسيس" المزعومة، هو أنه رسالة تهديد إلى الداخل الإيراني الذي يزداد فيه تأثير منظمات المجتمع المدني المطالبة بالإصلاح، والمعبرة عن فئات وطبقات مختلفة من المجتمع الإيراني. وفحوى الرسالة أنه إذا كان من الممكن اعتقال حتى حملة الجنسيات الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، وتوجيه أقسى التهم إليهم، والتي تكاد ترقى إلى مستوى الاغتيال المعنوي، فكيف سيكون الحال بالنسبة إلى "الفقراء سياسياً" من المواطنين الإيرانيين الذين لا يخضعون إلا لسلطة النظام الإيراني، ولا يتمتعون بحماية المواطنة الأجنبية؟

هكذا يتم اعتقال وطن بأكمله بالخوف، إذ يغدو كل مواطن، ولا سيما من المطالبين بالإصلاح، برسم الاعتقال أو معتقلاً مؤجلاً. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن اعتقال اسفندياري ورفاقها جزء من صورة آخذة في التشكل في الشرق الأوسط، في إيران وغير دولة عربية، لأن فحوى التهديد السابق - كما التنفيذ- بدأ يتكرر في تلك الدول العربية، وربما قبل إيران، انقلاباً على الإصلاح تحت غطاء السيادة والحفاظ على الاستقلالية في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية.

لكن هذا الوضع تحديداً يفرض مساءلة دعاة الإصلاح من الداخل، وتحديداً أولئك الذين التفوا حول الديكتاتورية، وأعلنوا رفضهم الإصلاح إلى حين انتهاء التهديد الخارجي الذي كانت تمثله أميركا. فبعد أن انتهت فكرة تغيير أنظمة الحكم الديكتاتورية في المنطقة، بل وباتت أميركا تتفاوض معها؛ وأمام كل مظاهر التفاخر بالنصر في مقابل هزيمة المشروع الأميركي في المنطقة، هل آن أوان الإصلاح من الداخل، أم أن دور أولئك الوطنيين كان فقط التواطؤ ضد الديمقراطية، وبث الحياة في ديكتاتوريات مهترئة كانت قد أوشكت على الزوال؟

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق