الأمل الناشئ في أفريقيا

تم نشره في الأحد 3 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

صرحت مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركيل بأنها تضع أفريقيا بين أولويات قمة الثماني المقرر انعقادها في الأسبوع القادم. ونحن في ليبريا وفي كافة بلدان أفريقيا نرحب بزعامتها، ونشعر بالامتنان إزاء دعم مجموعة الثماني لأفريقيا، وبصورة خاصة تعهداتها أثناء السنوات الأخيرة بتخفيف أعباء الديون، ومضاعفة المعونات المقدمة إلى أفريقيا بحلول العام 2010، وتوسيع نطاق التعاملات التجارية، ومكافحة مرض الإيدز والفيروس المسبب له. والحقيقة أن الجهود القوية التي يبذلها الأفارقة، إلى جانب استثمارات مجموعة الثماني وشركاء آخرون، تؤتي الآن ثمارها على أكثر من نحو، إلا أن العالم الخارجي كثيراً ما يغفل عن الانتباه إلى كل ذلك.

ولنتأمل هنا ثلاثة ميول تاريخية كبرى. الأول، أن عدد الأنظمة الديمقراطية في أفريقيا في العام 1989 لم يكن يتجاوز الأربعة. أما اليوم فقد ارتفع ذلك الرقم إلى ثمانية عشر، من بينها جنوب أفريقيا، وموزمبيق، وتنزانيا، وبنين، ومالي، وغانا، والسنغال، والآن ليبريا آخر الدول المنضمة إلى المجموعة. ويتلخص الميل الثاني في التحسن الهائل الذي طرأ على السياسة الاقتصادية. فقد ولت، باستثناءات ضئيلة، أيام أسعار الصرف المزدوجة، ومعدلات التضخم الهائلة، والحواجز التجارية المكثفة. أما الميل الثالث فيتلخص في التوصل أخيراً إلى حل لأزمة الديون في العديد من بلدان أفريقيا، والتي دامت ربع قرن من الزمان. الأمر الذي سمح لحكومات هذه البلدان بضخ قدر أعظم من الاستثمارات في الصحة، والتعليم، والبنية الأساسية.

تتداخل هذه الميول الثلاثة في مجموعة تتألف من حوالي خمسة عشر بلداً أفريقياً تبدي التزاماً قوياً بالحكم المسئول والسياسات الاقتصادية المتعقلة. وتحرص هذه الدول على التحاق المزيد من أطفالها بالمدارس، ومكافحة الأمراض، وتوفير الفرص الاقتصادية الجديدة للفقراء. ففي غضون العقد الماضي ارتفع متوسط الدخل في هذه البلدان بنسبة 25% ـ وهو تحسن هائل مقارنة بنسبة النمو التي كانت متوقفة عند الصفر في الماضي. وربما كانت هذه الدول ما تزال تمر بمرحلة نقاهة هشة، إلا أنها استعادت نشاطها حقاً، وأصبحت تشكل أملاً جديداً لكافة بلدان القارة.

ويرجع أغلب الفضل في هذه التغييرات إلى الأفارقة الذين طالبوا بوضع نهاية للحكم الفاسد الذي كان سائداً في الماضي. إلا أن التعهدات التي بذلها أعضاء مجموعة الثماني وشركاء رئيسيون آخرون ـ مثل الدول الاسكندنافية وهولندا ـ لعبت أيضاً دوراً على قدر عظيم من الأهمية.

يتمثل التحدي المزدوج الآن في دعم هذا التقدم حيثما تحقق بالفعل، وفي التعجيل بحدوثه في دول أخرى. وتستطيع مجموعة الثماني أن تتخذ أربع خطوات نحو تحقيق هذه الغاية. الخطوة الأولى تتمثل في ضمان التزام أعضاء المجموعة بمضاعفة مساعداتهم إلى أفريقيا بحلول العام 2010. فعلى الرغم من التقدم الذي تحقق على هذا المسار، إلا أن العديد من الدول ما زالت متخلفة عن الوفاء بتعهداتها. وتتلخص الخطوة الثانية في التركيز على توفير الموارد الجديدة في المناطق الحرجة، مثل التعليم، ومكافحة الملاريا، والزراعة، والبنية الأساسية، وضمان وصول أغلب أرصدة المساعدات إلى البلدان التي تتمتع بحكومات صالحة. أما الخطوة الثالثة فتتمثل في استكمال عملية تخفيف أعباء الديون عن الدول التي لم يتم تخفيف ديونها بعد، والمساعدة في حماية الدول الفقيرة من الدائنين الجشعين. وأخيراً، تستطيع مجموعة الثماني أن توسع من قدرة المصدرين الأفارقة على الوصول إلى أسواق المجموعة، وبصورة خاصة من خلال مضاعفة الجهود الرامية إلى استكمال جولة الدوحة من محادثات التجارة العالمية.

إن بلدي ليبريا تجسد الأمل الناشئ في أفريقيا، والتقدم الذي يمكن إحرازه من خلال الالتزام بالحكم الصالح والدعم الدولي القوي. فمنذ أربعة أعوام فقط، كنا ما زلنا نتخبط في شِـباك أربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية الشرسة التي حصدت 270 ألف روح، ودمرت نسيج مجتمعاتنا، وقلصت متوسط الدخل بنسبة تجاوزت الثمانين في المائة.

أما اليوم، فقد انتهت الحرب، ومن خلال جولتين من الانتخابات الديمقراطية الحرة في العام 2005، اختار الشعب الليبيري بشجاعة السلام، والمصالحة، والتنمية، ونبذ الانقسامات العرقية والعنف. ومنذ ذلك الوقت تضاعفت العائدات، وشهد الاقتصاد نمواً بلغ 8% سنوياً، وارتفعت معدلات التحاق الأطفال بالمدارس بنسبة 50%، وعادت الطاقة الكهربية ومياه الشرب إلى أقسام من مونروفيا للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً. فضلاً عن ذلك فقد اجتمع شمل العائلات، وبعد أعوام من المعاناة لاح الأمل في المستقبل في الأفق أخيراً.

لقد بذل أهل ليبريا تضحيات هائلة، إلا أن التحول الجذري الذي شهدته ليبريا لم يكن ليتحقق لولا الدعم الذي وفرته قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومجموعة الثماني، والاتحاد الأوروبي، وشركاء آخرين من مناطق مختلفة من العالم.

إلا أن التقدم الذي أحرزته بلادنا ما زال هشاً، وضمان النجاح ما زال بعيد المنال. ولسوف يستغرق الأمر أعواماً من إعادة بناء البنية الأساسية المادية، وتشييد المؤسسات القوية، ومداواة جراح الحرب. وكما كانت الحال في بعض البلدان الأخرى، فإن إمكانية العودة إلى الصراع تظل تشكل تهديداً إذا لم تتجسد العائدات المترتبة على السلام بوضوح وبسرعة في كافة أنحاء وقطاعات البلاد.

إن المخاطر التي تتعرض لها ليبريا والمنطقة هائلة، والتحديات التي تواجهها عظيمة، ولسوف نعجز عن التعامل مع هذه المخاطر والتحديات في غياب الدعم الدولي القوي للمساعدة في إعادة بناء المدارس والمستشفيات، وإعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير الأساس اللازم لنمو القطاع الخاص النشط. وفي ظل هذا الدعم سوف نتمكن في غضون سنوات قليلة من الوقوف على أقدامنا والاعتماد على أنفسنا من جديد.

إن الإعفاء من الديون يشكل الأولوية القصوى بين أشكال الدعم التي نحتاج إليها. ذلك أن ديوننا الخارجية تتجاوز أربعة مليارات دولار أميركي، وهو ما يتجاوز ثلاثين ضعف صادراتنا السنوية. وأغلب هذا الدين عبارة عن فوائد دين متراكمة لمبالغ اقترضها حكام مستبدون نهابون في الماضي. لقد حرصنا على الوفاء بكافة الشروط التي وضعها المجتمع الدولي للشروع في عملية الإعفاء من الديون، إلا أن الدول الدائنة لم توافق بعد على التمويل. ونحن نأمل في أن تتمكن مجموعة الثماني من المساعدة في تمويل هذه الترتيبات، وضمان مشاركة كافة الجهات الدائنة، بما في ذلك جهات تابعة للقطاع الخاص، في تحمل تكاليف إعفائنا من الديون.

إن شعب ليبريا شاكر للدعم القوي الذي حصلنا عليه أثناء انتقالنا من أزمة الماضي إلى فرص الحاضر. ونحن نأمل أن تستمروا في الوقوف إلى جانبنا أثناء كفاحنا لضمان استمرار السلام، وتوفير الحريات الأساسية، وخلق الفرص اللازمة لإعادة بناء حياتنا من جديد.

ايلين جونسون سيرليف رئيسة جمهورية ليبريا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق