أوَلم يكن أجدى القبول بمقترحات بورقيبة؟

تم نشره في الثلاثاء 29 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

بدل النواح واللطم، في الذكرى الأربعين لهزيمة 5 حزيران (يونيو) 1967، لا بأس في إعادة موضعة هذه الهزيمة في سياقها العربيّ التاريخيّ، الذي هو، في تسمية أخرى، مسار اللاعقلانيّة العربيّة بامتياز.

فقبل عامين على الهزيمة المطنطنة، كان الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة قد ألقى خطابين شهيرين في تونس العاصمة وفي مدينة أريحا، داعياً إلى تسوية النزاع العربي- الإسرائيلي على أساس قرار التقسيم للعام 1947 على النحو التالي:

- تعيد إسرائيل إلى عرب فلسطين ثلث المساحة التي احتلّتها منذ إنشائها لتقوم عليها دولة فلسطينيّة عربيّة.

- يعود اللاجئون الفلسطينيّون إلى دولتهم الجديدة.

- تتمّ مصالحة ويُعقد سلام بين الدول العربيّة وإسرائيل ينهي حالة الحرب بينهما.

- اقتراح بأن تبدأ المفاوضات بين الفلسطينيّين وإسرائيل، على أن يتبعها اجتماع بين إسرائيل والحكومات العربيّة في روما أو أيّة عاصمة أخرى.

وغنيّ عن القول إن التذكير بهذه العناوين – البنود هدفه القياس مع راهن الوضع الفلسطينيّ الآن، بل وضع المشرق العربيّ من ورائه. فإذا كان مفهوماً رفض قرار التقسيم عند صدوره في 1947، لأسباب كثيرة لا تتّسع لها هذه العجالة، فالرفض لم يعد مفهوماً بعد انقضاء أكثر من عقد ونصف العقد على نشأة إسرائيل.

بيد أن النهج الذي اختير كان نهجاً آخر تماماً، سداه ولحمته المزاودة بفلسطين وتحريرها خوفاً من "الجماهير". وهذا مع العلم بأن أنظمة المزاودة، السوريّ والمصريّ منها خصوصاً، كان لها الباع الأطول في صنع الوعي الجماهيريّ الذي باتت تخشى مصارحته. 

وتمضي الرواية فتقول إن الرئيس التونسيّ سأل الرئيس المصريّ جمال عبدالناصر رأيه في اقتراحه الجديد، فأبدى عبدالناصر موافقته الضمنيّة والتي لن تغدو علنيّة إلاّ متى وافق عليه الحكم البعثيّ في سورية. لكن السوريّين، الضالعين في سجال تخوينيّ حادّ مع الرئيس المصريّ حينذاك، سارعوا الى التشهير بخطّة بورقيبة خوفاً من أن تتّهمهم القاهرة بالتفريط و"بيع القضيّة الفلسطينيّة"، فما كان من إعلام "صوت العرب" الشهير إلاّ أن انضمّ الى حفلة الهجاء التي تطاول الرئيس التونسيّ وخطّته.

على أن المزاودة الناصريّة – البعثيّة لم تقف عند هذا الحدّ: فقد مضى كلّ من الطرفين يشكّك، بأقسى العبارات وأشرسها، بوطنيّة الآخر وبصدق عروبته وجديّة رغبته في "تحرير فلسطين". ولمّا كانت القاهرة من رعى إنشاء "منظّمة التحرير الفلسطينيّة" برئاسة أحمد الشقيري، ردّت دمشق بالتركيز على "حرب الشعب الطويلة الأمد طريقاً الى تحرير فلسطين".

ولئن راح السوريّون يعيّرون عبدالناصر بقبوله بوجود البوليس الدوليّ في شرم الشيخ وبمرور السفن الاسرائيليّة في قناة السويس، وهما من الشروط التي لازمت الانسحاب الاسرائيليّ من الأراضي المصريّة التي احتُلّت في 1956، بات الزعيم المصريّ، حرصاً على زعامته القوميّة العربيّة، مضطرّاً الى البرهنة على العكس.

في هذه الغضون، وبتحريك مصريّ، ظهر أن الهدف من إنشاء "منظّمة التحرير" يغاير ما هو معلن: فالمطلوب، كما بيّنت أعمال الشغب الواسعة، تقويض الحكم الأردنيّ، أو جرّه الى الالتحاق الأعمى بسياسات عبدالناصر، وليس التأسيس الوطنيّ الفلسطينيّ لـ "تحرير فلسطين".

هكذا نجح البعث الحاكم في دمشق بأن يبتزّ عبدالناصر فيدفعه الى خطوة مرتجلة وغير محسوبة هي المطالبة بسحب القوّات الدوليّة من شرم الشيخ، الأمر الذي سريعاً ما اعتبرته إسرائيل إعلان حرب عليها. وجدير بالذكر ان مصر كانت لا تزال مورّطة في حرب اليمن، حيث تدخّل جيشها بكثافة دعماً لانقلاب عبدالله السلاّل في 1962، ما أدّى الى تأجيج تلك الحرب وتوسيع نطاقها وأمدها، فضلاً عن إحداث صدع غير مسبوق في "الصفّ العربيّ". إلاّ أن القاهرة نجحت، وهو ما لم يكن صعباً، في ابتزاز عمّان التي لن تستطيع، بعد كلّ التهم التي تعرّض لها نظامها من القاهرة ودمشق، أن تسلك طريقاً غير الطريق الذي تسلكه عاصمتا الراديكاليّة العربيّة.

وما لبثت أن وُقّعت معاهدات تعاون عسكريّ بين البلدان الثلاثة تأدّى عنها نشوب الحرب الاسرائيليّة التي استغرقت ستة أيّام وانتهت بابتلاع كامل فلسطين التاريخيّة(الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة اللذين أضيفا الى أراضي 1948) وهضبة الجولان السوريّة وصحراء سيناء المصريّة.

لكن إذا كانت مقدّمات الهزيمة الكاسحة بالغة السوء ودرساً تطبيقيّاً في اللاعقلانيّة، فإن نتائجها بدت أسوأ من تلك المقدّمات. فقد استمرّ الإصرار على سياسات المزاودة نفسها، وهو ما دلّت إليه، بعد أشهر ليلة، قمّة الخرطوم التي عُرفت بلاءاتها الثلاث للصلح والاعتراف والتفاوض مع الدولة العبريّة. هكذا انفتح باب المشرق العربيّ واسعاً لتفجّر التناقضات ما بين القدرات الفعليّة واللفظيّات الخطابيّة المحكومة بالمزاودات واللاعقلانيّة.

واندلعت، في السياق هذا، حرب الأردن لعامي1970 و1971 والتي مهّدت، بمعنى ما، لحرب لبنان البادئة في 1975، فبات الموضوع الفلسطينيّ، الذي كان موضع إجماع، موضع خلاف عميق. أما سورية، في هذه الغضون، فحصنت نظامها العسكريّ والاستبداديّ عبر الانقلاب الذي نفّذه وزير دفاعها حافظ الأسد عام 1970 ليحكم بعده ثلاثين سنة متواصلة يخلفه، بعدها، نجله بشّار في رئاسة الجمهوريّة.

أوَلم يكن من الأجدى القبول بمقترحات الحبيب بورقيبة؟

التعليق