منار الرشواني

طبقية تعليمية

تم نشره في الاثنين 21 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

خلال المرحلة الثانوية، لم يجد مدير المدرسة عبارة للتعبير عن حنقه، وبالتالي تأنيبنا على تصرفاتنا المشاغبة وغير المقبولة تربوياً -من وجهة نظره على الأقل- إلا القول: "صايرين متل طلاب الأدبي!". فطلبة الفرع العلمي هم في مرتبة أعلى مسلكياً، أو هكذا يُفترض، مقارنة بزملائهم في بقية فروع الثانوية العامة.

استعدت الواقعة وأنا أقرأ القصة الإخبارية للزميلة ليلى خليفة "أحفاد الخوارزمي والبيروني يهجرون الرياضيات"، والمنشورة في "الغد" أول من أمس. فطالبة الصف الثامن "يارا" التي "تمرض ليلة اختبار الرياضيات من شدة قلقها"، قررت الالتحاق بالفرع الأدبي لاحقاً "لتضع كلمة النهاية أمام معاناتها من هذه المادة".

إذ يمكن القول إن هذا التراتبية المسلكية المفترضة منبعها تراتبية علمية مفروضة، وليس مفترضة فحسب. فطالب الفرع العلمي الذي يدرس الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، وهي المواد "العلمية" التي تتطلب إعمال العقل، لا بد وأن يكون، من وجهة نظر المجتمع بشكل عام، أكثر ذكاء، وبالتالي أكثر جدية من طالب الفرع الأدبي "وما دونه"، الذي يدرس مواد "أدبية" (غير علمية ضمنياً)، يعتمد في اكتسابها واستعادتها لاحقاً "أسلوب الصَّم" أو "البصم"، ليس إلا!

تتكرس هذه التراتبية العلمية في الجامعة، لكن مع التوسع في حقول المعرفة المهملة لانعدام أهميتها وضرورتها العلمية والعملية، كما يُظن! فطلبة الكليات الإنسانية، بشكل عام، يزدادون بعداً عن كثير من حقول المعرفة "العلمية"، كالرياضيات التي محور الحديث؛ كما ينسون في حالات أخرى ما تعلموه في المدرسة على صعيد اللغة الإنجليزية، التي تغدو نافلة أو حتى ترفاً و"بريستيجاً" في التخصصات الإنسانية التي تُدرّس باللغة العربية، وهي الأغلبية العظمى من هذه التخصصات.

لكن من لا يُتوقع منهم معرفة بالرياضيات واللغة الإنجليزية وسواها إلا لماما، أو إلى حين اجتياز كابوس امتحان الثانوية العامة (التوجيهي)، سيجدون أن طوق النجاة في مرحلة سابقة قد تحول إلى قيد حقيقي على طموحاتهم في مرحلة لاحقة، ولا سيما في الدراسات العليا.

الجميع بات يدرك ويعايش أي قيد يفرضه انعدام اللغة الإنجليزية، تحديداً، على أي تقدم علمي أو مهني، وحتى ثقافي في حقول المعرفة كافة، لكن ما لا يدركه كثيرون في المقابل أن الرياضيات لم تعد أقل أهمية بالنسبة للعلوم الإنسانية.

فإضافة إلى التطور العلمي الذي جعل من معرفة الأساليب الكمية واستخدامها في القلب من الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، فإن أحد شروط القبول في الدراسات العليا في أغلب التخصصات الإنسانية (التي يُظن أن لا علاقة لها بشكل عام بالرياضيات)، ولا سيما درجة الدكتوراة، في الجامعات الأميركية خصوصا، وبعض الجامعات الكندية، وربما غيرها في المستقبل، هو اجتياز امتحان الـGRE (Graduate Record Examinations)، الذي تشكل الرياضيات أحد أعمدته الثلاثة. ليكون من الطبيعي أن يغدو هذا الشرط "تعجيزياً" بالنسبة لكثير من طلبتنا في ظل المعطيات السابقة.

طبعاً، ما ينطبق على تراجع مستوى الطلبة على صعيد اللغة الإنجليزية والرياضيات، ينطبق على كل حقل معرفة آخر باختلاف التخصص الدراسي، مدرسياً كان أو جامعياً. لكن، أياً ما يقال بشأن الأسباب التي تقف وراء ضعف التحصيل في كل منها، يظل ثمة قاسم مشترك حاسم، وهو ما نتوقعه ونفترضه في الطالب ذاته.

فأبناء "طبقة الفرع الأدبي"، و"طبقة خريجي الكليات الإنسانية" نشؤوا على أنه غير مطلوب منهم من معرفة في الرياضيات، وغيرها من المواد "العلمية"، إلا الحد الأدنى من الحد الأدنى، ما رسخ في ذهنهم جيلاً بعد جيل، وخلقوا بذلك ثقافة مجتمعية كاملة، أنهم أدنى من طلبة الفروع "العلمية"، وقدراتهم أقل، وقس على ذلك بقية الفروع.

وإذا كنا نتحدث عن طبقية تعليمية، تحكم اختيار التخصص كما تحكم جودة المخرجات، وهي مشكلة يعاني منها العالم العربي أجمع، وصار علاجها ملحاً، فإن أول ما يجب العودة إلى التأكيد عليه هو الحقيقة البدهية والمجهولة في آن، والمتمثلة في أن كل ما يدرَّس في المدارس والجامعات هو علم، توصيفه الحقيقي "علمي"، أكان رياضيات أم فيزياء أم تاريخا أم غيرها، لا يهم إن درجت تسميته "تخصص علمي" أو "تخصص أدبي أو إنساني".

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق