أحداث غزة ومأزق دول الاعتدال

تم نشره في السبت 19 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

ثمة ما يشير الى أن التطورات الأخيرة في غزة انما تشكل تحديا كبيرا لدول الاعتدال العربي التي تركز جهودها، في الفترة الاخيرة، وتستثمر استراتيجيا وسياسيا في عملية السلام، لعلها تستطيع أن تستعيد دورها في المنطقة التي حدثت فيها خلخلة استراتيجية ليس في صالحها.

ومن هنا نفهم مبادرة السلام العربية، واحتضان السعودية لاتفاق مكة. إذ ترى هذه الدول أن تغيرا ملحوظا حدث بظهور مصادر تهديد جديدة مصدرها الشرق، تستوجب حل الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني كخطوة اولى لمواجهة تحديات مستقبلية أصبحت وشيكة.

معضلة دول الاعتدال الاساسية لا تكمن فقط في الموقفين السلبيين الاميركي والاسرائيلي، بل أيضا في الاقتتال الفلسطيني الداخلي، على إثر التغير في موازين القوى السياسية الفلسطينية لصالح حركة حماس.

إذ لا يوجد جسم سياسي فلسطيني يعمل باستراتيجية واحدة، تسمح بالتنوع والتعدد بطبيعة الحال، لينشغل الفلسطينيون، بالتالي، في اقتتال من أجل السلطة. فالكل يعرف ان اتفاق مكة لم يكن وليد التقاء مصالح الطرفين (فتح وحماس)، بل نتيجة ضعف الطرفين في قضايا مهمة. فحماس اخفقت في رفع الحصار، وفتح خسرت مواجهتها العسكرية الاولى مع حماس، مما أقنع تيار محمد دحلان، على الاقل، بضرورة القبول تكتيكيا بحكومة وحدة وطنية برئاسة حماس.

الاقتتال الداخلي مرده وجود تيارين داخل كل من فتح وحماس، وسيطرة المتشددين في كل حركة، مما شكل برميل البارود الذي استندت إليه حكومة الوحدة الوطنية.

فمنذ نجاح حماس الانتخابي، وفتح منقسمة بين تيار مع المشاركة بحكومة وحدة وطنية، وتيار آخر مع المواجهة مع حماس، عن طريق البقاء في المعارضة، ووضع ضغوط لاجبار الحركة على القبول بشروط الرباعية. والتيار الاخير هو الذي اقتنع بحكومة وحدة وطنية بعد هزيمة قوات فتح على ايدي حماس، وبحيث يسعى هذا التيار، من خلال حكومة الوحدة، إلى شراء الوقت وتنظيم الصفوف، تمهيدا لمواجهة محتملة بعد ان يشعر أعضاؤه بالثقة.

في المقابل، فإن التيار المتشدد في حماس كان ينتظر، أيضا، ان تتغير الظروف، ويسيطر على الاجهزة الامنية، حتى يطبق سيطرته على المجتمع الفلسطيني السياسي. بالاضاقة الى عدم رغبة الجناح العسكري في حماس باتفاق مكة، والخلافات العميقة -سواء على الصعيد الاستراتيجي او التكتيكي- داخل حماس فيما يتعلق بالعلاقة مع اسرائيل.

وبعيدا عن إلقاء اللوم على اي طرف، فقد تسابق الفلسطينيون انفسهم على ادانة ما يحدث. لكن نتيجة التطورات تصب في استخلاص وحيد، مفاده ان ضعف دول الاعتدال العربي مزدوج.

ففي الوقت الذي تبذل فيه هذه الدول الجهود الديبلوماسية الكبيرة من اجل اقناع العالم بضرورة وأهمية عامل الوقت بالنسبة للحل السياسي، وأن الفلسطينيين جاهزون لحل نهائي شامل، يتم الاصطدام بتطورات فلسطينية تضعف من رسالتها. والضعف الآخر هو عدم قدرة تلك الدول على التأثير على الواقع الفلسطيني الذي يتشكل وفق قناعات واجندات واختراقات اقليمية يشارك فيها الجميع، ما عدا دول الاعتدال. فما يزال انخراط دول الاعتدال في الشؤون الفلسطينية خجولا، مع ان المطلوب، ومنذ وقت بعيد، انخراط سياسي بشكل حاسم ومشروط.

كانت هناك مقولة مفادها أن المجتمع الفلسطيني لا يملك رفاهية الاقتتال الداخلي، وكان هناك شبه اجماع على ان الوعي الفلسطيني هو الضامن الاخير لتفويت الفرصة على الاعداء المتربصين. لكن بعد سقوط هذه المقولة، وسقوط قدسية الدم الفلسطيني في أزقة غزة، نسوق مقولة هي ان لدول الاعتدال العربي مصلحة استراتيجية كبيرة لا تمنحهم رفاهية الانتظار ومشاهدة ما يجري. ويرى البعض أن على الدول المؤثرة التدخل، وباستخدام العصا والجزرة. فلا يمكن أن يستمر الدعم العربي فيما الفصائل المختلفة في اقتتال وصراع يضعف من مواقف هذه الدول في متابعة استراتيجياتها ومصالحها.

وحتى تكتمل الصورة نقول: إن العقبة الكبرى أمام هذه الدول، أيضا، هو عدم قدرة حكومة أولمرت على التعاطي ايجابيا مع المقترحات والتحركات العربية. وعلى العكس، هناك ما يفيد بأن مخطط اجتياح غزة بات مكتملا، بل وضروريا لاستعادة الردع، حتى على المستوى التكتيكي. والقصف الاسرائيلي الاخير على غزة ما هو الا مقدمة لما سيأتي.

أما العقبة الثانية، فهي موقف ادارة بوش التي تستنتج ان حكومة اولمرت ضعيفة ولن تبقى بعد الربيع القادم، وبالتالي فمن الافضل التركيز على العراق، حيث المعركة الاهم بالنسبة لبوش.

ويبقى السؤال الأساس: كيف تتخطى دول الاعتدال الموقف التقليدي، محدثة موازنة في سياستها الخارجية تجاه جميع العناصر المكونة للأزمة؟!

hassan.barari@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليست هناك مساحة للاقتتال (احمد عريقات)

    السبت 19 أيار / مايو 2007.
    رفاهية الاقتتال ومساحة الجغرافيا تجعل من كل محاولات الاتفاق رمزية .غزة والبحر وماتبقى من رمال الشاطىء لايكفي لكي تطلق الرصاصات على الاخرين ،عندما تفقد الجغرافيا ويضيق المكان لن يكون هناك متسعا للوعي كي يعمل ، ان يكون الاخر الخائن والمنتفع والمتسلق والاخر يبحث عن الوقت لاقامة صلاة الجنازة .
    ما يحدث في غزة هو المخاض الاخير لولادة ما تبقى من جنين الدولة الفلسطينية في رحم الرمال الغزيه ، ان اتفاقات المكاتب وغرف الفنادق وجدار الكعبة لن تعيد لهذا الجنين حالته الاولى من الخلق ، وسيبقى مشوها ببقاء القادمين من الخارج حاملين معهم بقايا فنادق بيروت وشارع الحمراء
    وحكايات البرتقال والخيانة في بيروت 82

    غزة البحر ودولة الغزيين لن تقبل بالاخرين كي يقطفوا ثمار السنين الماضية على طبق من الرمال الذهبية الغزية .