النظام الإيراني وأمن الخليج

تم نشره في الثلاثاء 15 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

من مصلحة دول الخليج العمل على خفض حدّة التوتر في المنطقة، خصوصاً أنها في غنى عن أي حرب جديدة تكون على حسابها. المنطقة لا تتحمّل حرباً أخرى، على حد تعبير أحد حكماء الخليج والعرب، ولذلك لا يمكن إلاّ النظر من زاوية إيجابية إلى الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لأبوظبي ومحادثاته مع كبار المسؤولين في دولة الإمارات.

لا شك أن زيارة أحمدي نجاد للإمارات ترتدي طابع الزيارات التاريخية، ليس لأنها الأولى من نوعها فحسب، بل بسبب الظروف التي تمر بها المنطقة أيضا، وهي ظروف استدعت مجيء نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني إلى الإمارات لإجراء محادثات مع رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد في إطار جولة شملت أيضاً العراق والمملكة العربية السعودية ومصر والأردن.

كانت كلّ الأماكن التي توقف فيها تشيني مهمة، لكن المحطة الأهم هي حاملة الطائرات الأميركية "جون سي ستينيس" التي تبحر حالياً في الخليج قبالة الشواطئ الإماراتية. تحدث تشيني من على ظهر الحاملة ووراءه خمس طائرات حربية من طراز (أف-18 سوبر هورنيت) رمز القوة الضاربة الأميركية، ذلك أن هذه الطائرة هي الأحدث والأكثر تطوراً لدى القوات البحرية الأميركية. لم يقل تشيني جديداً، بل كرر الموقف الأميركي المتشدد من البرنامج النووي الإيراني. يختصر الموقف بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي، كذلك كرر أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران - في الوقت ذاته- بإغلاق طرق النفط على رأسها مضيق هرمز.

كان الهدف من زيارة الرئيس الأميركي لإحدى حاملتي الطائرات الأميركيتين في الخليج توجيه رسالة إلى النظام الإيراني فحواها أن القوة العظمى الوحيدة في العالم جدية في تعاطيها مع ما تعتبره "التهديد الإيراني" وأن القوة البحرية الموجودة في الخليج ليست من النوع الاستعراضي، بل هنالك عصا تشيني إلى جانب جزرة كوندي رايس!

ليس معروفاً فيما إذا كانت طهران فهمت الرسالة الأميركية واستوعبت مدى جديتها. فما ليس واضحاً، أقله إلى الآن، هل يمكن اعتبار كلام الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية عن مفاوضات ستجرى قريباً مع الأميركيين في العراق مؤشراً إلى تراجع إيراني، أم أن الهدف من الإعلان عن المفاوضات كسب الوقت ليس إلاّ والرهان على وجود خلافات داخل الإدارة الأميركية، بين تشيني ووزيرة الخارجية رايس تحديداً، تحول دون الإقدام على أي مغامرة عسكرية جديدة؟!

في كلّ الأحوال، حسناً فعل الرئيس الإيراني بالمجيء إلى دولة الإمارات في هذا التوقيت بالذات، وذلك ليثبت أن النظام الإيراني على استعداد للحوار مع دول الجوار وأنّه لا يسعى إلى الهيمنة. مثل هذه الخطوات مفيدة جداً لتعزيز الاستقرار الإقليمي وإبعاد القوى الكبرى عن المنطقة.

في النهاية، القوى الكبرى على رأسها الولايات المتحدة موجودة في الخليج لأنّ دول المنطقة تشعر بتهديدات إيرانية، وكانت تشعر قبل ذلك بتهديدات عراقية بلغت ذروتها بالمغامرة المجنونة التي أقدم عليها صدّام حسين باحتلاله الكويت صيف العام 1990 من القرن الماضي. من حق كلّ دولة من دول المنطقة الدفاع عن شعبها وعن كيانها ووجودها، ومن حقها الاستعانة بأيّ شيطان من أي نوع كان ومن أي حجم كان عندما تجد نفسها مهددة. ألم تتعاون إيران مع الولايات المتحدة عندما كان الأمر يتعلّق بإسقاط نظام "طالبان" المتخلف المعادي لها من زاوية مذهبية متزمتة في أفغانستان؟ ألم تغض الطرف عن الحملة العسكرية الأميركية على العراق من منطلق أنها ستخرج منتصرة، بل ستكون المنتصر الوحيد في هذه الحرب، خصوصاً بعد غرق الأميركيين والبريطانيين في الوحول العراقية؟ إن إيران دولة كبيرة وقد تصرفت وفق مصالحها، أكان ذلك في أفغانستان أم العراق، فما الذي يمنع الدول الصغيرة في الخليج أن تأخذ في الاعتبار مصالحها أيضا وأن تتصرّف من هذا المنطلق؟

الحديث الإيراني عن مواجهة "الشيطان الأكبر" يظل كلاماً جميلاً في حال لم ترافقه أفعال تدل على أن هناك استعداداً حقيقياً لبناء جسور الثقة بين ضفتي الخليج، الضفة الفارسية والضفة العربية. من حق دولة مثل الإمارات أن تشعر بأنّ شيئاً ما تغير في إيران منذ انتصار "الثورة الإسلامية" وسقوط الشاه وأن قضية الجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) التي استولت عليها إيران- الشاه بالقوة في العام 1971 يمكن أن تكون موضوع أخذ ورد ومفاوضات في العمق تحفظ في ختامها لكلّ ذي حق حقّه.

يفترض في النظام الإيراني الجديد الذي عمره ثمانية وعشرون عاماً ألا يكتفي بتغيير خطابه السياسي ويزايد على بعض العرب بالشعارات. من يريد تحرير القدس بالفعل، لا يحتفظ بالقوة بجزر تابعة لدولة عربية. على العكس من ذلك، إنه يسعى إلى طمأنة هذه الدولة العربية أو تلك عن طريق التأكيد ألا مطامع لإيران في أية بقعة من الخليج.

هناك فرص كثيرة متوافرة هذه الأيام للنظام الإيراني كي يظهر حسن نيته، في استطاعته على سبيل المثال وليس الحصر التصرف بطريقة مختلفة في العراق تؤكد حرصه على وحدة أراضي البلد، وليس على الميليشيات المذهبية التي تعيث فساداً وتلعب دوراً مكملاً للتنظيمات السنّية المتطرفة مثل "القاعدة" وما شابهها. وفي استطاعته التوقف عن التدخل في شؤون لبنان عن طريق تغذية النزاع المذهبي الذي بدأ يأخذ منحى خطيراً يهدد مصير الوطن الصغير. يكفي أن تتعاطى إيران بطريقة مختلفة مع الحكومة الشرعية في لبنان لتظهر أن دورها في هذا البلد المغلوب على أمره لا يقتصر على تحويله مجرد "ساحة" تستخدم كخط دفاع عن البرنامج النووي الإيراني.

يمكن أن يتصرّف النظام الإيراني أيضاً بطريقة مختلفة في فلسطين واليمن، التي تعاني حالياً بدورها من تمرد مسلح في محافظة صعده لا تقل خطورته عن حرب الانفصال صيف العام 1994. مثل هذا التصرف المختلف يقود إلى بناء جسور الثقة والانصراف إلى مواجهة الظاهرة الأخطر على الصعيد الإقليمي. إنها ظاهرة انفلات الغرائز ذات الطابع المذهبي التي أطلقها الاحتلال الأميركي للعراق والتي يمكن أن ترتد على دولة مثل إيران في حال اعتقدت أن في استطاعتها السيطرة عليها واستغلالها سياسياً.

في النهاية، من السهل محاربة أميركا بالكلام والشعارات. مثل هذه الحرب تساعد أميركا في زيادة وجودها العسكري في منطقة الخليج وغيرها من المناطق. ما يساعد في إبعاد الأميركيين علاقات من نوع جديد بين دول المنطقة في أساسها الثقة المتبادلة التي من دونها ستشعر كل دولة من دول المنطقة بأنها مهددة.

هل باستطاعة النظام الإيراني الإقدام على مثل هذه النقلة النوعية على صعيد علاقاته مع الآخرين، خصوصاً جيرانه المباشرين في الخليج؟ لا يمكن إلا الترحيب بخطوة مجيء الرئيس الإيراني إلى دولة الإمارات. ولكن لا مفر من التأكيد في الوقت ذاته أن الكلام وحده لا يكفي.

ثمة حاجة إلى أفعال تثبت أن شيئاً ما تغيّر في طهران وأن السياسة الخارجية لـ"الجمهورية الإسلامية" مختلفة عن سياسة إيران- الشاه وأن ثمة تصرّفات تشير إلى ذلك بالملموس. بمثل هذه التصرفات يمكن الرد على نحو فعّال على جولة تشيني وعلى طروحاته ومواجهة السياسة الأميركية في المنطقة، في حال كان مطلوباً بالفعل مواجهتها.

هل تريد إيران حقيقة مواجهة السياسة الأميركية في المنطقة أم تسعى إلى الاستفادة منها وتوظيفها بما يخدم مصالحها؟ أم أنها تريد أن تضع نفسها من حيث تدري أو لا تدري في خدمة هذه السياسة؟

كاتب لبناني

التعليق