إبراهيم غرايبة

الدين والسياسة الأميركية

تم نشره في الاثنين 14 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

تأثير الدين على الولايات المتحدة الأميركية ليس أمرا جديدا، فالمفكر الاجتماعي الشهير ماكس فيبر (1864– 1921) يعتبر الرأسمالية المعاصرة منتجا بروتستنتيا، وأن قيام الولايات المتحدة بخاصة والنظام الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي تبلور مع قيامها هو بفعل تأثير المذهب البروتستانتي المسيحي، وفي كتابها الذي صدر مؤخرا تناقش مادلين أولبرايت الدور الذي يلعبه الدين والأخلاق في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، وتقول إن الأميركيين قارنوا أنفسهم بدون تحفظ بالإسرائيليين القدامى كشعب اختارته العناية الإلهية للمشاركة في وضع خطة إلهية، وخلال عقود التوسع والحرب والازدهار الاقتصادي والإخفاقات الصاخبة تكرس اعتقاد بأن الله ينير مسار أميركا ومصيرها، وبقي هذا الاعتقاد منتشرا.

والواقع أنه كما تقول أولبرايت نفسها -وهي قاعدة عامة بالطبع- أن غاية السياسة الخارجية لأي حكومة هي حماية الرفاه الاقتصادي والأمن المادي لمواطنيها، وما ميل القادة إلى تمويه مصالحهم الضيقة بخطاب عن القيم العامة إلا انعكاس لرغبتهم في الظهور بمظهر أفضل مما هم عليه، وإدامة الخرافة بأن أميركا مميزة، والحديث مازال لأولبرايت.

ولكن الولايات المتحدة برأي أولبرايت وقفت إلى جانب المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفو وأوقفت عمليات الإبادة والطرد التي مارسها الصرب بحق المسلمين، برغم أنه لا توجد في كوسوفو آبار للنفط، ولكنها حرب كانت بدافع القلق على مصير الآخرين، ووضعت حقوق الإنسان فوق حقوق الدول.

ويمثل الصراع العربي الإسرائيلي في فلسطين محصلة طويلة لأبعاد دينية صبغت الصراع على مدى القرون، فالقدس هذه المدينة المقدسة لدى اليهود والمسيحيين والمسلمين تحولت إلى رمز ديني لصراع معقد وطويل فيه الكثير من المصالح الاقتصادية والسياسية والعوامل الجغرافية والإستراتيجية، وتستشهد أولبرايت هنا بمقولة الملك عبدالعزيز بن سعود بأن العرب والمسلمين دفعوا ثمن الاضطهاد المسيحي الأوروبي لليهود وبخاصة في ألمانيا، وكما استطاع -برأي أولبرايت- كل من صلاح الدين الأيوبي والملك ريتشارد إنهاء الحروب الصليبية والتوصل إلى السلام، فثمة فرص اليوم لتحقيق السلام لأن احتمال تلاشي السلام برأي أولبرايت يمثل حالة تهديد يجب العمل على تلافيها، فعندما يصبح ذلك حقيقة واقعة فإن شعوب المنطقة ستبقى تعيش في خوف، وسيتفاقم التوتر الحاضر أبدا بين المسلمين واليهود والمسيحيين إلى مواجهة تمتد إلى أبعد من الشرق الأوسط وتهدد حقا بزعزعة العالم.

ومن الوقائع الملفتة التي تذكرها أولبرايت أن الرئيس الأميركي الاسبق بيل كلينتون اعتكف لفترة طويلة يدرس التوراة والقرآن محاولا التوصل إلى أفكار وتسويات سياسية تلاقي دعما دينيا يهوديا وإسلاميا، أو على الأقل لا تمثل تحديا للمعتقدات الدينية، وقد اقترح فكرة "ما هو عربي في المدينة يكون للفلسطينيين، وما هو يهودي للإسرائيليين" وذلك يعني السيادة الفلسطينية على الحرم الشريف والأحياء العربية.

وفي النهاية تجد أولبرايت حل الصراع في تحقيق الديمقراطية في الشرق الأوسط، ولكنها تستدرك أن الديمقراطية ليست عطية من الولايات المتحدة، وأن الديمقراطية العربية إذا ما تحققت سوف تأتي أولا لتحقيق طموحات العرب، ولن تغير بين ليلة وضحاها الواقع العربي باتجاه السلام والمصالحة مع إسرائيل والحفاظ على المصالح الأميركية كما يتمنى الأميركان ويفترضون، ولكن الديمقراطية هي الخطوة الأولى والصحيحة لإجراء حوارات ونقاشات سياسية وحقيقية لإدراك الواقع والمصالح والاحتياجات واستخلاص الخطط والأفكار الواقعية التي يجب سلوكها.

وإذا كانت السياسة الخارجية الأميركية تجاه إسرائيل والسلام صحيحة وواقعية فإن الديمقراطية العربية ستؤدي مع الزمن إلى قناعة عربية منسجمة أو مقتربة من الرؤية والمصالح الأميركية.

وتختم أولبرايت بالقول إنه لا يمكن توقع أن يوافق القادة العرب على الديمقراطية بين ليلة وضحاها أو إذا بدا أنهم مجبرون على ذلك، ولكن هذا التحول سيتحقق عندما يدرك القادة العرب أن أقوى قوة في العالم هي رغبة الإنسان في أن يكون حرا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق