توني بلير و"لعنة" العراق!

تم نشره في الأحد 13 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

أخيراً، قرر توني بلير الخروج من 10 دوانينغ ستريت، مقر رئيس الوزراء البريطاني في لندن، بعد عشر سنوات في السلطة. بخروجه من المقر تلاحقه لعنة العراق. سيغادر رئاسة الوزراء في السابع والعشرين من حزيران– يونيو المقبل. سيجد بلير وظيفة في القطاع الخاص تدرّ عليه أضعافاً مضاعفة ما كان يدرّ عليه موقعه كرئيس للوزراء. إلاّ أن البريطانيين لن يتذكروا من رئيس الوزراء الشاب، الذي استطاع في العام 1997 وضع نهاية لحكم المحافظين الذي استمر ثمانية عشر عاماً، سوى أنه جاء لبلاده بنسمة هواء منعشة وغادر السلطة في ظلّ غيمة سوداء تخيم على بريطانيا سببها حرب العراق!

لم يعرف البريطانيون رئيساً للوزراء يمتلك ذلك المقدار من البراغماتية، حتى لا نقول الانتهازية. يكفي لتأكيد ذلك أن بلير العمالي الذي انتصر في ثلاثة انتخابات متتالية استخدم مارغريت تاتشر التي أعادت الحياة إلى حزب المحافظين، في السبعينات من القرن الماضي، كي يهزم ثلاثة من الذين خلفوها على رأسهم جون ميجور. لم يتردد توني بلير في تغيير اسم حزب العمال إلى "العمال الجديد"، ليؤكد لكل من يعنيه الأمر أنه اتخذ قراراً بدفن الحزب القديم الذي يؤمن بالاشتراكية وأنه الخليفة الشرعي لمارغريت تاتشر الملقبة بـ"المرأة الحديد" بانية بريطانيا الحديثة ومحطمة سطوة نقابات العمال على الحياة الاقتصادية البريطانية.

في الواقع، استطاع توني بلير الظهور بمظهر حامي ارث تاتشر. ولذلك كانت الشركات الكبيرة تدعمه، علماً أن هذه الشركات كانت تميل تقليدياً إلى المحافظين. أكثر من ذلك، غيّر بلير الخريطة السياسية الداخلية في بريطانيا كلّياً معتمداً قبل أي شيء آخر على النجاح الاقتصادي للدولة العظمى والامبراطورية التي لم تكن تغيب الشمس عنها في الماضي.. وعلى القوانين الليبرالية التي حوَلت لندن إلى سوق مالي مهم، إن لم يكن الأهم في العالم إلى جانب نيويورك.

لم يعد هناك شيء اسمه اشتراكية أو قوانين اشتراكية، ولم يعد هناك نفوذ يذكر لنقابات العمال التي قمعها حزب العمال في عهد بلير على الطريقة التاتشرية! أدرك بلير أن العالم تغيّر وأن الاقتصاد القوي في أساس السياسة. ولذلك، استمر في موقعه طوال هذه الفترة بغض النظر عما ارتكبه من أخطاء... وحتى مخالفات ذات طابع شخصي من نوع فضيحة الحصول على أموال في مقابل توزيع ألقاب ملكية. بعد هذه الفضيحة، حققت الشرطة مع بلير ويمكن أن تحقق معه مجدداً!

وظَف توني بلير في النهج الليبرالي وفي توفير ضمانات لكل من يستثمر في بريطانيا أو يعمل فيها. ولذلك نجد في لندن اليوم عشرات آلاف العائلات الفرنسية التي يعمل أربابها في ظروف أفضل بكثير من تلك المتوافرة في باريس أو المدن الفرنسية الأخرى.

إذاً، سمح النجاح الاقتصادي لبلير بأن يتجاوز أيضاً أزمات وفضائح كثيرة، بما في ذلك تلك التي تناولته شخصياً مع زوجته أو تلك التي كان أبطالها من القريبين منه مثل صديقه الشخصي الوزير بيتر مندلسون الذي اضطر في كانون الثاني- يناير من العام 2001 إلى الاستقالة من الحكومة للمرة الثانية والأخيرة، بعدما تبين أنه تدخل لتمكين رجل أعمال كبير من أصل هندي (سيرشاند هيندوجا) من الحصول على جواز بريطاني؛ استقال مندلسون، ووجد له بلير موقعاً في الاتحاد الأوروبي، ولم تتأثر شعبية رئيس الوزراء الذي تبين أنه ارتكب بدوره مخالفات كثيرة تغاضى عنها البريطانيون ما دام الاقتصاد بخير وما دامت الضرائب في حدود معيّنة، أي في الحدود التي رسمتها تاتشر بعد توليها السلطة في العام 1979.

جديد الأسابيع القليلة الماضية أنّ البريطانيين بدأوا يظهرون نوعاً من التضايق من بلير الذي كان وعد في الماضي بأنه لن يبقى في موقع رئيس الوزراء حتى نهاية ولايته الحالية وحلول موعد الانتخابات العامة في السنة 2009، على الأرجح، أو في أيار– مايو 2010 في أبعد تقدير. كان مطلوباً أن يسلم بلير موقعه لوزير المال غوردون براون، لكنه ماطل في ذلك. الآن، يبدو أن الكيل طفح وأنه إذا كانت عشر سنوات في السلطة لم تهدد وضع بلير، فإن القلق الشعبي حيال الوضع العراقي بدأ يؤثر عليه وأخرجه من 10 داونينغ ستريت.

صار هناك مسؤولون بريطانيون يسعون إلى إيجاد مسافة بينهم وبين رئيس الوزراء. أحد هؤلاء جيف هون، وزير الدفاع ابان الحرب على العراق. في مقابلة له نشرتها صحيفة "ذي غارديان" قبل أيام تحدّث هون، وهو صنيعة بلير، عن سوء تقدير الحكومة البريطانية للوضع العراقي، خصوصاً في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين. قال هون، الذي لا يزال وزيراً للشؤون الأوروبية في الحكومة الحالية، إن البريطانيين ارتكبوا أخطاء إذ كانوا يعتقدون أنّهم سيستقبلون بالورود في العراق. ولم يحمّل بلير وحده المسؤولية عن هذه الأخطاء، بل أشار إلى خلاف حصل بين حكومته من جهة والإدارة الأميركية من جهة أخرى في شأن قراري حلّ الجيش العراقي واجتثاث حزب البعث من جذوره.

ما يكشفه كلام هون، أن هناك رغبة لدى كثيرين من المسؤولين في عدم تغطية المغامرة العراقية لبلير، كما كان يحصل في الماضي، عندما استقال الوزير روبن كوك من الحكومة احتجاجا على الحرب. وقتذاك، أي في آذار- مارس من العام 2003 تاريخ بدء الحملة العسكرية على العراق، لم يتأثر بلير باستقالة وزير خارجيته، بل وجد على وجه السرعة من يحل مكان كوك الذي توفى لاحقاً وفي قلبه حسرة خلقتها حرب العراق.

في بريطانيا، كما في العالم يقفز السياسيون من السفينة حين يتأكد لهم أنها تغرق. السياسيون في بريطانيا يريدون أن يغرق توني بلير وحده لا أن يغرقهم معه. إنها نهاية سياسي محنّك بلغت به الانتهازية أن يخوض الانتخابات ببرنامج خصومه وأن يستمر في الربح مقلّداً هؤلاء الخصوم.

يبقى الفارق الأساسي بين بلير وتاتشر أن الأخيرة ربحت حرب العراق الأولى التي اقتصرت على تحرير الكويت من الاحتلال. من الآن، يتكهن عسكريون أميركيون كبار بأن الحرب الأميركية- البريطانية على العراق كانت حرباً خاسرة. لن يذكر التاريخ بلير بسبب الانجازات الكثيرة التي حققها وآخرها اتفاق سلام في أيرلندا الشمالية. سيظل اسمه مرتبطاً بالعراق، بلعنة لن تفارقه، بحرب يقول الجنرال مايكل روز قائد القوات الخاصة البريطانية إلى ما قبل فترة قصيرة، انها "انتهت بهزيمة" بريطانية وأميركية، وأن على "الغزاة" مغادرة العراق!

تحدّث الجنرال روز إلى هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) قبل أيام عن فشل المغامرة الأميركية– البريطانية في العراق. عكس كلام الجنرال روز رأي المؤسسة العسكرية التي تدعو إلى "الاعتراف بالهزيمة". ما فعله بلير أنّه هرب من الهزيمة بدل الاعتراف بها تاركاً حزب العمال يتحمل وزرها. حتى في خروجه من السلطة، مثّل توني بلير ذروة الانتهازية. 

كاتب لبناني

التعليق