ورقة دايتون بين القبول الأهوج والرفض المتسرع

تم نشره في الخميس 10 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

الذي يعرف اوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال لا يتردد في الترحيب بأي اجراء من شأنه ان يقلل المعاناة ولو بمقدار قليل جدا. صحيح ان القضية الفلسطينية هي اكبر من اجراءات مؤقتة واضطرارية تتعلق بحياة الناس اليومية تحت اسوأ واطول احتلال في الزمن الراهن, ولكن الصحيح ايضا انه لا يجوز رهن مصالح الناس وحاجاتهم اليومية، وحقوقهم الاساسية، بالحلول البعيدة الصحيحة الدائمة، لان ذلك سوف يستغرق المزيد من السنين التي من المفروض خلالها، خلال فترة انتظار تلك الحلول، ان يصار الى تخفيف وطأة الظروف القاسية وتمكين ضحايا الاحتلال من الحد الادنى من متطلبات البقاء والاستمرار.

مع ذلك فإنني لم اقدم لهذا المقال بهذه الطريقة لأدلل بالضرورة على ان الورقة التي تقدمت بها اميركا لكل من الفلسطينيين والاسرائيليين نهاية الاسبوع الفائت، هي المدخل المؤكد لتخفيف اية معاناة.

فالورقة تطالب اسرائيل بإزالة حواجز وبرفع الحظر على الحركة في عدة مواقع، كما تطالب بتسهيل الاجراءات على المعابر بين غزة واسرائيل او مصر، وتطالب الورقة ايضا بتسيير قوافل منتظمة بين غزة والضفة الغربية، ولكن الذي يستغرق تاريخ مثل هذه الترتيبات، وما اكثر ما حصل منها في الفائت من السنين، يعرف ان اسرائيل لن تطبق المطلوب، وستجد اي مقدار تحتاج اليه من الذرائع الامنية للابقاء على الحواجز والتشديدات وعلى حصر الحركة، ومضايقة الناس بكل الوسائل وفي اكثر الاوقات، كم من المرات سابقا وعدت اسرائيل بإزالة حواجز وتخفيف قيود لكن شيئا من هذا لم يحدث، ولم يتغير شيء على حياة الناس، فما وضعت تلك القيود خطأ ولا صدفة، بل هي جزء من مخطط كبير لم يحن الاوان لاسرائيل بعد لإعادة النظر فيه.

لقد مهدت صحيفة هآرتس الاسرائيلية لحديثها عن هذه الخطة، خطة دايتون كما سميت، في مقال لها يوم السبت الفائت (5 ايار) بالقول ان "رسميين كبارا يخشون مواجهة مع واشنطن حول وثيقة علامات قياس benchmarks قدمتها لاسرائيل وللسلطة الفلسطينية تضع جدولا زمنيا محددا لاجراءات يترتب على كل جانب القيام بها".

واضافت هآرتس بأن الورقة تحدد تواريخ لازالة حواجز او نقاط تفتيش، ولفتح ممرات في "المناطق"، كما تدعو لرفع كفاءة القوات الفلسطينية الموالية للرئيس محمود عباس، بما في ذلك حث اسرائيل على اصدار الموافقات اللازمة لتزويد تلك القوات بالاسلحة والذخائر والاجهزة الكفيلة بتعزيز قدرتها وكفاءتها.

بعبارات موجزة تدعو الورقة لتخفيف القيود عن الفلسطينيين مقابل توقفهم عن ممارسة العنف واطلاق الصواريخ وتهريب السلاح على ان يتم اخضاع قوات الامن الفلسطينية التي ستتولى هذه المهمات للرئيس عباس ومستشاره الامني دحلان.

لقد ظهرت فكرة هذه الورقة خلال زيارة وزيرة الخارجية رايس للمنطقة الشهر الفائت، وقام بكتابتها منسق الامن الاميركي الجنرال كيث دايتون مع السفير الاميركي لاسرائيل ديك جونز والقنصل الاميركي في القدس جاكوب وايس، ومن ثم ارسلت الوثيقة الى واشنطن وحظيت بموافقة وزيرة الخارجية رايس.

تراوحت ردود الفعل الاولية من قبل الفريقين المعنيين بين الترحيب والتردد والرفض: رحب بها صائب عريقات كبير المفاوضين، ورفضتها حماس، ووصفها الناطق باسم الحكومة الفلسطينية مصطفى البرغوثي بأنها خيالية، معتبرا كما جاء في الحياة (الاثنين 7/5) ان اسرائيل لن تقبلها ولن تطبقها، واضاف البرغوثي "ان ذلك سبب اضافي كي لا نسمح بأن تشغلنا هذه الخطة الخيالية والبعيدة عن الواقع عن الامور الجوهرية او عن حشد التأييد لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ودعم المبادرات الحقيقية التي قدمناها، وفي مقدمتها المبادرة العربية ومبادرة التهدئة الشاملة والمتبادلة والمتزامنة وتبادل الاسرى".

اما حدة التردد الاسرائيلي فقد خفت، بعد التحذير بأن الخطة ستسبب مواجهة مع واشنطن، وبعد ان وفر الرفض الفلسطيني الفرصة الملائمة لاسرائيل لتُفَشِّل الخطة وتحميل مسؤولية ذلك للجانب الفلسطيني كالعادة.

هل كان المفروض اذن ان يقبل بها الفلسطينيون.. الحكومة والسلطة والرئاسة وكل الرؤوس الاخرى كما رحب بها كبير المفاوضين؟ وهل كان المفروض ان يتجاوز الجانب الفلسطيني كل سلبيات الخطة؟

الحقيقة انه كان من الافضل ان يتفق الفلسطينيون على رد موحد يقيّم الورقة تقييما موضوعيا رصينا يحدد مواقع الخطأ فيها، وهي كثيرة، ويطالب بتصويبها جذريا دون التسرع لا في الرفض ولا في القبول. فالورقة بالفعل سيئة لانها لا تطالب بوقف شامل لكل اعمال العنف من الجانبين، وتطالب بتطبيق ذلك في كل ارجاء الاراضي المحتلة، الورقة تطالب فقط بوقف العنف الفلسطيني وتترك ايدي القوات الاسرائيلية مطلقة للمداهمات والاغتيال والتدمير والحصار وغير ذلك من الممارسات اليومية المعروفة.

الورقة سيئة لانها ما تزال تردد افكارا مدمرة تستهدف التعامل مع الفلسطينيين، بالرغم من اتفاق مكة وانبثاق حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وكأنهم فريقان متنازعان، وذلك من خلال تسليح وتقوية قوات الامن التابعة لعباس ودحلان، وتتجاهل المؤسسات الرسمية الشرعية التابعة للحكومة المنتخبة ديمقراطيا وشرعيا، المفروض ان يكون الرئيس الفلسطيني هو اول من يرفض هذا المنطق التفريقي الخطر احتراما لحكومة هو من اصدر مراسيم تشكيلها واقسمت اليمين امامه.

والورقة سيئة فعلا لانها اختزلت اكبر قضية في التاريخ المعاصر الى مجرد اجراءات تخفيفية لتحسين صورة الاحتلال دون ان تطالب بزواله او باعتبار هذه الاجراءات تمهيدا لزواله.

الورقة تتعامل مع الوضع ضمن السياق الذي فرضته آلة الدعاية الاسرائيلية وروّجته عالميا، وهو ان اسرائيل هي الضحية المهددة بالارهاب الفلسطيني من قبل من وقعوا تحت احتلالها بعد تشريدهم لستة عقود من ديارهم ووطنهم. والورقة تفترض ان كل ما تعاني منه المنطقة، وكل ما يعاني منه الفلسطينيون بالذات هو نتيجة عدم قناعتهم بالتخلي عن العنف والاعتراف بحقوق من اغتصب حقوقهم.

مع كل ذلك؛ فإن ردود الفعل الفلسطينية المتناقضة رسخت السياق الدارج، واظهرت وكأن فرصة اخرى للتقدم نحو السلام وللتخفيف عن الفلسطينيين احبطها "الحمق" الفلسطيني، وظهرت اسرائيل، في المقابل، مع انها كانت المبادرة بالتردد، والرافضة فعلا، ظهرت وكأنها ايجابية ومتفهمة.

حبذا لو ان الموقف الفلسطيني تمت صياغته ببيان موحد، يرحب كل سعي لتسهيل التسوية وتقريب السلام، ويفند كل سلبيات واخطاء هذه الورقة ويطالب بتصويبها، بلا رفض متسرع ولا قبول لاهث اهوج.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق