منار الرشواني

لعنة النفط

تم نشره في الاثنين 7 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

في اليوم العالمي للعمال، أعلن الرئيس الفنزويلي، هوغو تشافيز، اتخاذ خطوتين تبدوان مفعمتين بالوطنية، وملهمتين بالتالي لكل شعوب العالم الثالث وما دونه: الخطوة الأولى، انسحاب فنزويلا من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين يمثلان أحد أهم رموز الهيمنة الرأسمالية الغربية على العالم، ولاسيما دول الجنوب العالمثالثية؛ فيما كانت الهدية (الخطوة) الثانية زيادة الحد الادنى للأجور بنسبة 20%.

طبعاً، وكما يعرف كثيرون، أمكن اتخاذ هاتين الخطوتين بسبب سعر النفط المتصاعد، والذي قدّم للدول المنتجة، وضمنها فنزويلا، وفرة شبيهة إلى حد ما بتلك التي تحققت في السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي. لكن، هل كان النفط وحده هو من تُسدد من خلاله تكلفة مبادرات تشافيز -وربما غيره- الوطنية الملهمة؟

الإجابة عن هذا السؤال يقدمها تشافيز نفسه، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، تتزامن بشكل واضح مع ارتفاع اسعار النفط. فالرئيس الذي يبدو أنه نجح في توطيد سلطته رئيساً إلى الأبد، منقلباً بذلك على الديمقراطية ذاتها التي جلبته إلى السلطة من خارج الطبقة التقليدية الحاكمة تاريخياً في فنزويلا، كان قد هدد أخيراً بالانسحاب من منظمة الدول الأميركية في حال أدانته المحكمة الأميركية لحقوق الإنسان بانتهاك حرية التعبير في قضية إغلاق شبكة "اذاعة وتلفزيون كراكاس" الخاصة.

إذن، فالنفط هو أقل الأثمان التي يدفعها الفنزويليون لقاء صون سيادتهم في وجه "الرأسمالية المتوحشة"، ولقاء لقمة الخبز، أما الثمن الحقيقي وطويل الأمد فهو الحرية، ليكون النموذج الفنزويلي تجسيداً جديداً لما يعرف بـ"لعنة الموارد".

وكما يشرح "ليف وينار" (Leif Wenar)، من "مجلس كارنيغي" (Carnegie Council)، فإن الدول التي تعتمد أساساً في ناتجها القومي على موارد استخراجية عالية القيمة في السوق العالمية، كالنفط والماس وغيرهما، قد تكون عرضة لثلاثة أنواع من اللعنات: حكومات ديكتاتورية؛ ومخاطر نشوب حرب أهلية أو حدوث محاولات انقلابية؛ ومعدلات نمو منخفضة.

ففيما تعزز هذه الموارد سلطة الحاكم أو الطبقة الحاكمة بعيداً عن المواطنين غير المطالَبين بضرائب تذكر، وبالتالي غير المسموح لهم بالمشاركة السياسية (على قاعدة: لا ضرائب، لا تمثيل)، فإن هذه الموارد تبدو وجهة الطامحين إلى السلطة السياسية والثراء في آن، وسبباً مقنعاً بالتالي للتمرد والسعي إلى الانقلاب على النظام القائم. أما النتيجة المنطقية والمحصلة للوضع السابق، فهي تراجع النمو، ولربما انعدامه في أحيان كثيرة.

شعوب الوطن العربي تعرف أكثريتها، إن لم يكن جميعها، "لعنة الموارد"، ولا سيما "لعنة النفط" في فترة الفورة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. والجيل الذي "استفاد" من صفقة مقايضة الحرية بالخبز؛ وظائف مضمونة في القطاع العام، وسلع أساسية مدعومة، وتعليم مجاني، وذات الأمر بالنسبة للرعاية الصحية، وغير ذلك، هذا الجيل مايزال حياً، لكنه لا يرزق غالباً!

فقد بقي هذا الجيل ليرى كيف أنه تُرك -مع أبنائه- ليواجه مصيره بعد أن لم يعد بمقدور الدولة العربية الاستمرار طويلاً في ضمان متطلبات المعيشة السابقة! وليرى أيضاً، وهذا هو الأهم، حرباً أهلية عراقية يمكن تفسير أحد جوانب استعارها في الصراع على النفط، بين شمال ووسط ووجنوب، وكذلك في غياب ثقافة ديمقراطية ذبحت بسيف دولة الرفاه المشوهة، والتي لم تكن -كما يتجلى الآن- أقل خضوعاً لأهواء سوق تهيمن عليها ذات "الرأسمالية المتوحشة"!

ومن ثم، فبقدر ما هو مرفوض انسحاب الدولة النهائي لمصلحة "قوانين السوق" التي يراد لنا الاعتقاد أنها الإله العادل على الأرض، بذات القدر يجب نبذ نموذج "الحرية أو الخبز" إلى الأبد؛ ففي العالم هنالك أمثلة تؤكد أن الجمع بين الحرية والخبز ممكن، لكن العلاقة تظل في اتجاه واحد: حرية تفضي إلى لقمة عيش، وليس العكس.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق